فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 67

وفي موضع آخر ذكر ابن القيم صورًا يخالف فيها الظاهر القصد، ويحكم فيها بالقصد لا بالظاهر، مثل: أن يحلف الرجل على شيء في الظاهر، وقصدُه ونيته خلاف ما حلف عليه، وهو غير مظلوم، فهذا لا ينفعه ظاهرُ لفظه، ويكون يمينه على ما يصدقه عليه صاحبه اعتبارًا بمقصده ونيته.

ومثل: إذا اشترى أو استأجر مكرَها لم يصح، وإن كان في الظاهر قد حصل صورة العقد لعدم قصده وإرادته.

ثم قال: فدل على أن القصد روح العقد ومصححه ومُبطِله، فاعتبار المقصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ؛ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا أُلغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها، كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه.

ثم قال: وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عاصرها ومعتصرها، ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا، ولكن لما كانت نيته إنما هي تحصيل الخمر، لم ينفعه ظاهر عصره، ولم يعصمه من اللعنة لباطن قصده ومراده، فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها .

ومن لم يراع القُصُودَ في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعنَ العاصرَ، وأن يجوز له عصر العنب لكل أحد وإن ظهر له أن قصده الخمر، وأن يقضي له بالأجرة لعدم تأثير القصد في العقد عنده، ولقد صرحوا بذلك، وجوزوا له العصر، وقضوا له بالأجرة.

وختم حديثه بقوله: وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات؛ فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا، وطاعةً أو معصيةً، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبة أو مستحبة أو محرمة أو صحيحة أو فاسدة .

ثم قال: ودلائل هذه القاعدة تفوق الحصر. (أعلام الموقعين: 3/123-125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت