... فقد كان موقف المالكية واضحًا منذ البداية في التفريق بين «أهل العينة» وغيرهم. فتجدهم في كثير من المناسبات يحرمون المعاملة إذا كانت مع أهل العينة، ويجيزونها مع من سواهم. ومن أوضح الأمثلة على ذلك الصور التي ذكرناها سابقًا. فقد رأينا أن الإمام مالكًا وأصحابه كرهوا أن يشتري الشخص السلعة على أن ينقد بعض ثمنها ويؤجل الباقي. وأن هذا المنع، كما قال ابن شاس، في حق المتهم خاصة، وصرح ابن رشد أن الصورة جائزة لغير أهل العينة؛ وذلك لأن هذا يعد قرينة على تواطؤ الطرفين على بيع السلعة من أجل النقد.
... وهذا صريح في أمرين:
[1] ... التفريق بين أهل العينة وغيرهم، وأن أهل العينة يعامَلون بما لا يعامَل به سائر الناس. وهذا التفريق يثبت تمييز فقهاء المالكية بين العمل المنظم والعمل التلقائي. وهذا واضح في أن المعاملة إذا تحولت من تصرف فردي عفوي إلى عمل منظم أخذت بُعدًا آخر لم يكن معتبرًا من قبل.
[2] ... الأخذ في الاعتبار أي علاقة إضافية بين المتورق والبائع، مثل رجوع المشتري للبائع ليضع عنه، أو أن يدفع له بعض الثمن نقدًا وبعضه نسيئة، من أجل تيسير حصول المشتري على النقد في الحالتين. ومثل هذه العوامل لا توجد في التورق الفردي الذي لا يتضمن أي صلة إضافية للبائع بالمتورق مطلقًا. فوجود علاقة إضافية بين البائع وبين المتورق تؤثر في الحكم قطعًا.
... فإذا اجتمع هذان الأمران، كون البائع من أهل العينة ووجود علاقة إضافية بينه وبين المتورق، كان الحكم هو التحريم، كما واضح من النصوص المنقولة سابقًا، وكما سيتضح من النصوص الآتية.