الصفحة 24 من 53

... أما موقف الإمام أحمد رحمه الله، فهو أكثر وضوحًا بالنظر إلى رأيه في العينة ومعناها. فقد سبق أنه يرى أن يتفرغ الشخص للبيع بنسيئة، فهو يقول: «العينة عندنا أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا نسيئة. فإن باع بنقد ونسيئة فلا بأس» . وفي رواية أنه سُئل عن العينة ما هي؟ فقال: «البيع بنسيئة» ، قال: «إذا كان يبيع بنقد ونسيئة فلا بأس، وأما رجل لا يبيع إلا بنسيئة فهذا ما أكرهه» .

... وكلامه رحمه الله صريح أن التخصص في البيع بنسيئة هو العينة، وأنه يكرهه. والكراهة هنا تفيد التحريم؛ لأنه علل ذلك بأنه عينة، والعينة مذمومة شرعًا. وهذا واضح أن التفرغ للبيع بأجل يحول المعاملة من العفوية والتلقائية إلى التنظيم والتخصص، ومن ثم ينقل الحكم من الجواز إلى المنع.

... ومما يؤكد ذلك أن الإمام أحمد يمنع العينة الثنائية مطلقًا، سواء أكانت ممن يتفرغ للنسيئة أم لا. وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون المنع من التفرغ للبيع نسيئة لمعنى آخر. وقد سبق أنه جعل التورق من العينة، كما في رواية أبي داود، وقرن بينه وبين البيع بنسيئة، كما سمى التفرغ للبيع بنسيئة عينة أيضًا. وهذا يدل على أن سبب المنع من التفرغ للبيع بنسيئة هو منع تحويل التورق إلى عمل منظم؛ لكونه حينئذ قرينة جلية على تواطؤ البائع والمشتري على النقد بالنقد.

... ومما سبق يمكن الجمع بين روايات الإمام أحمد رحمه الله في التورق. فهو نص في رواية أنه لا بأس به، ونص على التحريم في رواية أخرى. [1] فيمكن حمل رواية التحريم على ما كان من أهل العينة، كما هو موقف الإمام مالك، ويحمل ما ورد في الجواز على ما لم يكن كذلك وكان في حالة الضرورة، وتحمل رواية الكراهة على ما نزل عن درجة الضرورة، وبهذا تأتلف الروايات جميعها.

فتاوى السلف في التورق المنظم

(1) ... الإنصاف (4/337) . وانظر: الفروع (4/171) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت