(3) ... مضمون هذه الصيغة أن الآمر محتاج للنقد، فيطلب من المأمور أن يشتري حريرًا لمصلحة الآمر بثمن مؤجل، ثم يبيع المأمور الحرير بنقد، أقل من الثمن الآجل بطبيعة الحال، ويسلم النقد للآمر أو يوفي به الدين الذي كفله عنه. والأصل في هذه الحالة أن يطالب المأمورُ الآمرَ بالثمن الآجل؛ لأن الأخير هو المشتري للسلعة أصالة.
لكن محمد بن الحسن يرى أن المأمور ليس له أن يطالب الآمر بالثمن الآجل، ولهذا قال: «فالشرى للكفيل، والربح الذي ربحه البائع عليه» . أي أن الثمن الآجل يثبت في ذمة المأمور أمام البائع، ولا يثبت في ذمة الآمر أمام المأمور، لأن الشراء لا يكون للآمر، بل للمأمور. وعليه، فإن المأمور لا يطالب الآمر إلا بمقدار النقد الذي سلمه إياه أو وفّى به عنه، دون أي زيادة.
... وهذا يقتضي تحريم هذه الزيادة، لأن الأصل أن يطالب المأمورُ الآمرَ بالثمن الآجل كاملًا، إذ الشراء في الأصل للآمر لأنه هو المحتاج للنقد. فإذا بطل كون الشراء له، امتنع أن يطالب المأمورُ الآمرَ بالزيادة عن النقد الذي سلمه إياه. وهذا يستلزم تحريم إثبات الزيادة في ذمة الآمر، ولولا ذلك لما حكم ببطلانها.
... وهذا مطابق لفتوى سعيد بن المسيب حين أمر داود بن أبي عاصم أن يرد الزيادة لأخته ولا يأخذ إلا رأسماله الذي يعادل الثمن النقدي، كما سبق. فأقوال محمد بن الحسن وسعيد بن المسيب متفقة على أن الزيادة على الثمن النقدي باطلة، ولا تثبت في ذمة الآمر بالعينة.
(4) ... وهذا الحكم ليس رأي محمد بن الحسن وحده، بل هو قول أئمة المذهب؛ لأن كتاب الجامع الصغير من كتب ظاهر الرواية المعتمدة في المذهب الحنفي. ومع اتفاق فقهاء المذهب على هذا الحكم إلا أنهم اجتهدوا في تعليله. فعلله بعضهم بأنه ضمان من الآمر لما يخسره المأمور بالفرق بين الثمن الآجل والثمن النقدي، قالوا: وضمان الخسران باطل. وعلله بعضهم بأنه توكيل مع جهالة مقدار السلعة والثمن، فهي وكالة باطلة.