... وأيًا ما كان الأمر فإن ورود الدليل أو اختلاف العلماء في بعض الصور لا يعني نقض الأصل الكلي المتفق عليه. فمن غير المقبول أن تجعل الصورة المستثناة أو المختلف فيها أصلًا يقاس عليه كل أنواع الحيل حتى لا يبقى منها إلا العينة الثنائية أو قلب الدين فحسب، ويجاز كل ما عداها. فإن هذا يعني أن الأصل في الحيل الحِلّ عدا هاتين الصورتين. وهذا قلبٌ للأمور لأنه يجعل الأصل استثناء والاستثناء أصلًا. وهو مع ذلك نقيض الإجماع على أن الأصل في الحيل التحريم، بل هو نقيض أصل المذهب الحنبلي خصوصًا.
... فقد صرح الموفق ابن قدامة رحمه الله أن أصل الإمام أحمد هو منع الحيل كلها، فقال: «ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة» [1] . وقال الزركشي في شرح الخرقي: «وهذه قاعدة لنا: أن الحيل كلها، لإسقاط واجب أو ارتكاب محرم، باطلة» [2] .
... ومقتضى التمسك بأصول المذهب، فضلًا عن أصول الشريعة، هو منع الحيل كلها إلا ما دل الدليل أو نص الإمام على جوازه، وما عدا ذلك فيبقى على الأصل. وما اختلفت فيه الرواية عنه فيؤخذ بما هو أقرب لأصوله ومنهجه، وتحمل الرواية الأخرى على حال الاضطرار أو عند انتفاء التهمة وعدم التواطؤ المسبق على الحيلة.
خلاصة
(1) ... «المغني» ، عالم الكتب، (6/154) .
(2) ... «شرح الخرقي» ، مكتبة العبيكان، (2/459) .