... وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سّوى في الذم والوعيد بين آخذ الربا ومعطيه، فمن الممتنع أن يفرق بينهما في التشريع والأحكام، فيغلق الباب من جهة الآخذ ويبقيه مفتوحًا من جهة المعطي. فحكمة التشريع وكمال الشريعة المطهرة تأبى ذلك.
وإذا كان الشرع قد أحكم إغلاق باب الربا من جهة الدائن، فمن باب أولى أن يحكم إغلاقه من جهة المدين. وذلك أن أصل تحريم الربا هو بسبب الظلم الواقع على المدين، كما قال تعالى: {لا تَظلمون ولا تُظلمون} . فإذا منع الدائنَ أن يوقع الظلم على المدين، فمن باب أولى أن يمنع المدين أن يطلب إيقاع الظلم على نفسه. وإذا منع الدائنَ من أخذ الزيادة، فمن باب أولى أن يمنع المدينَ من إعطائها. فلو كان أحدهما أولى بالتشديد لكان هو المدين.
... وإذا كان يحرُم على الدائن أخذ الزيادة على وجه المعاوضة، ولو كانت من طرف ثالث كما في ربح ما لم يضمن والبيع قبل القبض، فكذلك يحرم على المدين إعطاء الزيادة على وجه المعاوضة، ولو كانت لطرف ثالث. فالشرع سوى في التحريم بين الآخذ والمعطي، فمن رام التفرقة بينهما فقد ناقض النص وجانب منهج التشريع.
... وحقيقة الأمر أن سد باب الربا من جهة المدين جاء في الشرع على وجهين: خاص وعام. أما الخاص فهو النهي عن العينة، وأما العام فهو الأصول الشرعية المتعلقة بحفظ المال، كما سيأتي في الفصل القادم.
تأصيل مفهوم العينة ...
... ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: قال: «إذا تبايعتم بالعينة (وفي رواية: بالعَين) ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» [1] .
العنية لغةً
(1) ... رواه أحمد وأبو داود وغيرهما. وقواه شيخ الإسلام في الفتاوى (29/30) وابن القيم في تهذيب السنن (5/104) ، وصححه أحمد شاكر في تخريج المسند (4825) و (5007) ، والألباني بمجموع طرقه في السلسلة الصحيحة (11) .