... ولهذا منع جمهور الفقهاء الاعتياض عن ثمن الطعام بطعام. فمن باع مالًا ربويًا بثمن مؤجل، فلا يجوز له أن يعتاض عن الثمن المؤجل بمال ربوي مما لا يباع به نسيئة قبل قبض الثمن، «فكأنه قد باع حنطة أو شعيرًا بحنطة أو شعير إلى أجل متفاضلًا، وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين» . [1] ورجح جمع من الفقهاء المنع حتى لو كان البيع من غير المشتري. [2] وذلك نظرٌ منهم إلى حصيلة الصفقتين، وهي مبادلة مال ربوي بآخر متفقي العلة، ولذلك منعوا منها. واختار شيخ الإسلام الجواز بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن، وهو ما يدل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما حين قال عليه السلام: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء» . [3]
... ومن هذا الباب النهي عن بيع ما ليس عند البائع وعن بيع الكالئ بالكالئ، فهي تمنع الربا من جهة الدائن. والفقهاء المعاصرون يدركون ذلك تمامًا عند بحثهم لأحكام المرابحة للآمر بالشراء، وأن المصرف يجب أن يملك السلعة وتدخل في ضمانه قبل أن يبيعها بأجل على العميل. ولو باعها قبل ذلك لكان إما بيع ما ليس عند المصرف، أو من بيع الدين بالدين إن كانت موصوفة في الذمة. فهذه الأحكام تغلق بإحكام مدخل الربا من جهة الدائن. ولا يمنع ذلك أن تكون لهذه المنهيات حكم أخرى، فإن حكمة الله تعالى أوسع من أن يحيط بها مخلوق. لكن أثر هذه المنهيات في سد باب الربا واضح، وقصد الشارع في ذلك بيّن لمن تأمله.
الربا من جهة المدين
(1) ... الفتاوى (29/449) . والمنع هو قول الفقهاء السبعة، وأجازه أبو حنيفة والشافعي.
(2) ... الموسوعة الفقهية (22/131) ، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله. انظر بحث: «بيع الدين بالدين» لراشد آل حفيظ رحمه الله، ص12 و 21.
(3) ... رواه أحمد وأبو داود والنسائي.