على أنه وإن جاز تصكيك الدين النقدي المؤجل على أساس قصر مبادلته على عروض تجارية ( سلع عينية ) حاضرة بأن يجعل ثمنًا لها، فإن توريق الدين النقدي لا يجوز باتفاق الفقهاء، ويمتنع تداوله في سوق ثانوية، سواء تم بيعه بنقد معجل من جنسه، أو من غير جنسه، لاشتماله على ربا النّساء، ولسريان أحكام الصرف عليه شرعًا، ولأن الدين الذي تمثله الكمبيالة لا يمكن أن تجري عليه أحكام البضاعة، لأن حامل الكمبيالة ليس مالكًا للبضاعة، وكذلك فإن عملية تصكيك الدين هذه تعارض مضمون حديث ابن عمر [1] في صرف الدراهم بالدنانير أو على العكس، لأن الجواز مشروط بشرطين: أن يكون على سعر يوم الأداء، وأن يتم الأداء في المجلس، ولا يبقى في ذمة المشتري شيء.
وبه يتبين أن حرمة هذه العملية منشؤها يأتي من كونها متضمنة نظام الفوائد الربوية، فهي حرام ابتداءً، لأن ذلك مبادلة دين ناتج عن قرض بفائدة.
وقد أوضح ابن حجر أن بيع العينة وإن كان جائزًا في الظاهر لاستكمال أركانه وشروطه، فهو بسبب اشتماله على حيلة ومكر وخداع يأثم فاعله في الباطن [2] .
وأما السندات المشروعة ( صكوك المقارضة ) التي أقرها مجمع الفقه الإسلامي ( في قراره( 5 ) د 4 / 80 / 88 ) فهي على أساس جعل العلاقة بين صاحب الصك والمُصْدِر هي علاقة المشاركة، وليست علاقة المداينة.
ولا يجوز في الفقه إجماعًا ضمان رأس مال الصكوك من قبل الجهة المصدِّرة، ولكنه يجوز من جهة أخرى ثالثة كالدولة مثلًا منح هذا الضمان للسندات التي أصدرتها المؤسسة.
المحور الثاني
أنواع التورُّق وحكم كل نوع شرعًا،
وتفصيل آراء العلماء وأدلتهم في التورق، والتورق المصرفي المنظم وضوابطه:
(1) ... أخرجه أبو داود.
(2) فتح الباري: 12 / 337.