وبعد ان توافرت هذه الشروط من الامانة ، والصدق ، والقوة في الدين، والشجاعة في القلب ، والمساندة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في السراء والضراء ، والتصديق المطلق والثابت للنبي - صلى الله عليه وسلم - في اشد الظروف واحلك الاحوال في ابي بكر - رضي الله عنه - اختاره النبي - صلى الله عليه وسلم - رفيقًا له في الهجرة وصاحبا يؤنس وحدته ويبدد وحشته ، ولولا هذه المشابهة والمشاكلة بين ابي بكر - رضي الله عنه - والنبي - صلى الله عليه وسلم - ، والراحة ، والميول النفسية المتبادلة بينهما لما اختار صحبته في تلك الرحلة الخطرة الموحشة.
إن المسافر سفرًا عاديًا يستغرق ساعة أو ساعتين لا يطيق أن يصحب في سفره القصير هذا إلا من ترتاح اليه نفسه ويطمئن فؤاده ، فكيف برحلة شاقة عصيبة استغرقت أيامًا ثلاثة منها في غار موحش في جبل منقطع عن العمران!
إنها صحبة رجل الملمات والمهمات الصعبة ، كما هي صحبة الإنسان للإنسان الذي ترتاح اليه النفس وتأوي اليه آمنة مطمئنة.
هذه الاحكام السامية في درجتها العالية في مقامها القوية في اثرها هي التي تثبت لابي بكر - رضي الله عنه - عقلًا وعرفًا وشرعًا في هذه الحادثة ، فلذلك نقولها وبلا تردد ان ابا بكر - رضي الله عنه - قد اصاب القدح المعلى والدرجة السامية الزكية والمنزلة التي لا يصل اليها احد من الناس باختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - له صاحبًا في هجرته هذه .