لو كان ثمة معارضة لما جاء الأمر به والإذن به في الأحاديث السابقة نعم الشافي هو الله كما قال سبحانه: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) } [1] . والتداوي سبب كما أن الرزاق هو الله { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } [2] . وطلب الرزق مشروع والله هو المعلم { وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ } [3] وطلب العلم مشروع. والهادي هو الله { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [4] والأخذ بأسباب الهداية أمر مشروع بل مطلوب. وهكذا ..
قال ابن حجر في شرح أحاديث التداوي:"وفيها إثبات الأسباب وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها" [5] .
وقد صنف أبو بكر أحمد بن محمد الخلال وهو من أئمة الحنابلة كتاب الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل والحجة عليهم في ذلك من مسائل الإمام أحمد، وبدأ بقول الإمام أحمد ينصح رجلًا بقوله:"الزم السوق تصل به الرحم" [6] .
وفي هذا كله رد على غلاة الصوفية لمن زعموا أن حقيقة التوكل لا تتم إلا بترك الأسباب وقد عنون أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه إحياء علوم الدين بعنوان:"بيان الرد على من قال أن ترك التدواي أفضل بكل حال"، وذكر أنه أشبه بإزالة العطش بالماء والجوع بالخبز [7] .
(1) سورة الشعراء، آية: 80.
(2) سورة الذاريات، آية: 58.
(3) سورة البقرة، آية: 282.
(4) سورة الكهف، آية: 17.
(5) فتح الباري، (10/135) .
(6) أبو بكر أحمد بن محمد الخلال الحنبلي، الحث على التجارة والصناعة والعمل والإنكار على من يدعي التوكل في ترك العمل، ص: 25.
(7) إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، (4/90) .