الصفحة 60 من 60

فابن تيمية - رحمة الله عليه - لا يختار قولًا وهو معترف بأنه مخالف للإجماع، بخلاف الشيخ - حفظه الله - في مسألة تنصيف دية المرأة، فإنه قد اختار فيها قولًا مع اعترافه الضمني بإجماع الأمة على خلافه، ومن اعتراف الشيخ الضمني على خلاف ما يذهب إليه قوله:"وقد تساءلت في نفسي: إذا كان هذا الحكم الذي ذاع واشتهر، وهو تنصيف دية المرأة لايستند إلى دليل معتمد من قرآن أو سنة أو إجماع.. فكيف سكت عنه علماء الأمة طوال اثني عشر قرنًا، ولم يبرز عالم بعد ابن علية والأصم ينقد هذا الرأي ويدعو إلى اجتهاد جديد فيه".

فهذا الشيخ يعترف ضمنًا بأن الأمة مجمعة على هذا الرأي مع اشتهاره وذيوعه قبل ابن علية والأصم وبعدهما ثم يرى المخالفة فيه جائزة، وهذا في الحقيقة ليس هو منهج ابن تيمية ولا مدرسته، بل منهج ابن تيمية ما ذكرته، وشتان بين المنهجين، بل إنني أزعم أن منهج الشيخ لايمكن أن ينتهجه أحد يؤتسى به من أهل العلم، والله تعالى أعلم، وأحكم.

وأما القول بأن كثرة حوادث السير داع للتجديد فقول لا ينتهض لمخالفة هذه البراهين، على أن كثرة الحوادث إنما سببها الكثرة السكانية في العالم، فتزايد نسبة الوفيات من كلا الجنسين عائد في الحقيقة إلى تزايد الأعداد البشرية عما كان قبل ذلك، هذا بالنسبة للحوادث الطبيعية، وإلا فإنه قد كان يقتل من النساء في السابق - وذلك إذا نظرنا إلى النسبة المئوية لعدد الناس أكثر مما يقتل حاليًا - لكثرة ما يحصل من قتال الفتنة في العصور المتقدمة، ومع ذلك لم يكن ما يحصل من كثرة قتل النساء في ذلك الوقت عذرًا لأحدٍ في مخالفة حكم مقرر في الدين الإسلامي بأدلة الشرع من القرآن والسنة والإجماع والآثار والمعقول، وهذا هو السر في عدم التجديد الذي استغرب الشيخ - حفظه الله - عدم قيام العلماء به، والله الهادي إلى الصراط المستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت