... ان رجال المعتزلة احسوا بخطر الاعداء يهاجم عقائد المسلمين ، لذلك شمروا عن سواعد الجد ، وكرسوا طاقاتهم ، وسخروا جهودهم ، وانتدبوا أنفسهم، ووهبوا عقولهم للذب عن حمى الاسلام، فألفوا الكتب والرسائل، وعقدوا المناظرات ، وفتحوا أبواب الجدلُ والحوار مع خصومهم، وقاموا ببث الدعاة في أرجاء البلدان وسائر الأقاليم، فأسلم على أيديهم الكثير من اصحاب الديانات والملل والنحل الاخرى، وهذا ماتمثل في الأصل الخامس من اصولهم الفكرية وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
... فقد كان أمام الاسلام تحديات كبرى، تمثلت في الجبهة المعادية التي كان قوامها الحركات الثنائية [1] والاتجاهات المضادة التي حاولت مس القرآن، والتشكيك بنبوة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فانتشرت تعاليمها الارتيابية في ارجاء العالم الاسلامي، حتى وصلت إلى شرائح المثقفين وطبقات المسلمين العامة على السواء بفضل البرامج المعدة فلسفيًا، فأحدثت هذه الجبهة المعادية ، ثغرة في صفوف المسلمين، كانت سببًا في حمل الكثيرين على الزندقة، ولهذا كان أمام الاعتزال مهمة التصدي بقوة للفكر المعادي بكل الوسائل الجدلية الفلسفية، لإبراز مايكمن في الدين من القوى والفضائل (الراوي ، 1980: 20) .
... إذ شكل المعتزلة معارضة قوية، صانوا بها صفاء العقيدة من عبث المنحرفين وفساد المخالفين، وحملات أهل التشكيك والابتداع التي مثلتها قوى الشعوبية والردة الفكرية ، وصنوف الزنادقة ، ممن تبرقعوا ببراقع مختلفة ومتباينة ومتعددة يجمعها هدف واحد، وغاية مشتركة تريد محق الاسلام عقيدةً وتصورًا ودينًا (عبدالحميد ، 1991: 181) .
(1) (*) ... الحركات الثنائية: هي تنظيمات فكرية أظهرت الاسلام، وأبطنت الكفر والألحاد، وكان لها دور سلبي جدًا في المجتمع الاسلامي .