الصفحة 153 من 432

... لقد حتم الالتزام الديني والموقف المبدئي لرجال المعتزلة، ان يتولون باخلاص وجد ، مهمة حماية الدين والتضحية من أجله، والدفاع عن أصوله، وإبراز خصائصه ، بالحجة العقلية والبرهان المنطقي، في وجوه أعدائه، وذلك باسقاط مقالاتهم، وتفنيد دعاواهم (ينظر: الراوي، 1980: 13) . ولعل أولى المهام التي قام بها رجال المعتزلة تأسيس مدرسة كلامية قامت على المحاولة في التوفيق بين الوحي الالهي ، والعقل الانساني ، وبعملهم هذا استحقوا وبجدارة أن يُلقبوا بأنهم فرسان العقل ورواد علم الكلام، لذلك يقال عنهم (( هم أرباب النظر دون جميع الناس، وان الكلام لهم دون سواهم ) ) (الخياط ، 1925: 72) ، (( وهم أرباب الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل والمنصفون في مناظرة الخصوم ) ) (الملطي ، 1968: 36) .

... وبعلمهم هذا حاولوا ومن خلال تفاعلهم ودراستهم للفلسفة أن يوفقوا بين الاسلام كدين وبين الفلسفة التي تُرجمت اليه فأقبلوا عليها يدرسونها بنهمٍ وشره؛ لأنها أشبعت تطلعاتهم ورغباتهم الفكرية، وعلى ذلك استخدموها كسلاح فعال يدافعون به عن عقائدهم وأفكارهم (ينظر: حسن، 1964: 17) . اذن تبدت المهمة الثانية في استعمال الفلسفة بعد مزج مباحثها بموضوعات علم الكلام للدفاع عن الاسلام ، لذلك يقرر البعض ان نشأت الفلسفة في الاسلام كانت بفضل الدور النشط للاعتزال البغدادي الذي عُرف بميله الشديد لحركة الترجمة الفلسفية، كالندوات العلمية التي كان يعقدها أحمد بن أبي داؤد البغدادي ( ت 240هـ) ، والتي يحضر مناقشاتها كبار مترجمي الفلسفة، والعلماء، ومتقدمي الاعتزال (الراوي ، 1980: 19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت