... إنَّ المدرسة الأشعرية لم تظهر فجأة، وأنما مرت بسلسلة من عمليات الجدل والانضاج ولها أسلاف سبقوا أبا الحسن الأشعري، ولكنها تكاملت واتضحت معالمها على يديه، وان أهم سمة ميزت هذه المدرسة عبر تاريخها الفكري هي اثبات الصفات، ولذلك اطلق على أسلاف الأشاعرة"الصفاتية"وجاءت هذه التسمية مقابلة"للمعطلة"التي كانت تطلق على المعتزلة لانهم كانوا يعطلون وينفون الصفات وهذا مايذكره لنا الشهرستاني (( سُمّي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة فبلغ بعض السلف إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها، وماورد في الخبر فافترقوا فيه فرقتين منهم من أولها على وجه يحتمل اللفظ، ومنهم من توقف عن التأويل ، أما السلف فانهم لم يتعرضوا للتأويل حتى انتهى الزمان إلى عبدالله بن سعيد الكلابي، وابي العباس القلانسي، والحارث بن أسد المحاسبي، وهؤلاء كانوا من جملة السلف الا انهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين اصولية وصنف بعضهم ودرس بعض ، حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك مذهبًا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية ) ) (الشهرستاني، ج1، د.ت: 118-119) .
... ونحن نتابع التطور الفكري للمدرسة الأشعرية، نجد أن الأفكار تبدأ بدايات تحت غايات سليمة ونوايا حسنة، لكن ربما تفسير البعض لها يضعها في موضع غير الذي صيغت من أجله، وهذا راجع إلى أن لكل انسان زاويته التي ينظر من خلالها إلى الأشياء، ومرجعيته الفكرية التي يفسر من خلالها الامور.