المبحث الأول
العوامل الثقافية التي شكلت الفكر عند المعتزلة والاشاعرة
مقدمة:
... إن اية ظاهرة اجتماعية سواء أكانت عامة أم خاصة، في الماضي أم في الحاضر، لم تكن فرصة ظهورها على ساحة الواقع العملي متاحةً، ولا الطريق سالكا أمامها ألا ضمن جملة من العوامل الثقافية المتشابكة والمتداخله. ولعل في مقدمة هذه العوامل هو الشعور بالحاجة إلى تلك الظاهرة للقيام بوظيفة ما داخل المجتمع، ويأتي في سياق ذلك ايضًا علاقة التأثر والتأثير المتبادلة بين الحضارات الانسانية المتجاورة والبعيدة، بما في ذلك عمليات العطاء والأخذ والاقتباس والتقليد وتبادل الأفكار والخبرات، شرط ان لاتبلغ هذه العمليات حدًا كافيًا لجعل أمة ما من الانصهار والذوبان في كيان أمة اخرى.
... (( إن الفكر حاجة انسانية تتطلبها وتفرضها اوضاع البشر المادية في حياتهم الاجتماعية وتفرزها هذه الاوضاع بصيغتها التي تكون عليها، وليس هنالك في حياة البشر فكر عائم لاينتمي إلى زمان ومكان محدودين بالضرورة ) ) (مبارك، 1986: 10) .
... لذلك فإن من غير الصواب ان يُنظر إلى ظاهرة اجتماعية على مستوى تاريخي أو معاصر نظرة منفردة ومنعزلة عن مسار الظواهر الأخرى التي تحيط بها وتتفاعل معها. لأن مثل هذه النظرة ستكون بعيدة عن الموضوعية مالم تُدرس الظاهرة المقصودة (( في ضوء تركيبها التاريخي وارتباطها المباشر بتطور شخصية الأمة وثقافتها ) ) (هانس، 1966: 16) .
... اذا كانت الاديان بتعاليمها ومعتقداتها، والفلسفات بمُثُلها، تمثل الجانب النظري لكل فكر فأن الفكر التربوي بنظرياته وممارساته، وبأرائه وتطبيقاته يمثل الجانب العملي والتطبيقي لتلك التعاليم وتلك الفلسفات. وهناك أمر بديهي ، وهو إنه كلما استطاع الفكر ان يحقق التوافق والأنسجام بين النظر والعمل، وبين الرأي والعيان وبين الماضي والحاضر والمستقبل، كان هذا الفكر أقرب إلى النفوس وأحق وأولى ان يكون مرجعًا للفكر التربوي.