... وفي الوقت الذي تباينت الآراء حول تفسير معنى كلمة (بغداد) ، كذلك تباينت الاراء ايضًا حول تحديد سنة تأسيسها، إذ ذكر بعضهم إن أبا جعفر المنصور قد بدأ في بنائها سنة (140هـ) ، وقيل سنة (141هـ) ، في حين يرى آخرون ان المدينة بُنيت سنة (144هـ) وذهب رأي آخر إلى ان سنة التأسيس هي (145هـ) وانتهى العمل فيها سنة (146هـ) . ولعلّ السنة التي أجمع المؤلفون عليها سنة (145هـ) كبداية للتأسيس، وفي سنة (146هـ) انتهى العمل من بناء مجموعة القصر والمسجد الجامع (ناجي، 2001: 317) .
... أما فيما يخص اختيار الموضع من قبل الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، إذ إنه ارتاد عددًا من الاماكن إلا انه لم يُعجب فيها بقدر ما أُعجب بموقع بغداد إلى الجانب الغربي من نهر دجلة ، إذ بعث روادًا يرتادون له موضعًا ينزل فيه، وقد تأكد بنفسه عن صحة الأوصاف التي ذكرها الرواد الذين ارتادوا المكان، فقضى في الموضع المنتخب ليلة وتأكد من طيب المبيت فيه ، فضلًا عن ذلك فقد استفسر من صاحب الدّير في المكان عن احوال الحر والبرد والأمطار والوجود والبق والهوام. ولم يكتفِ بذلك بل وجه جماعة من رجاله ليمكثوا ليلة في كل قرية من القرى المجاورة للموضع، فأجتمعت آراؤهم على هذا الموضع (الطبري، ج7 ، 1985: 616) . فضلًا عن المناخ الطيب الذي تتميز به مدينة بغداد، فقد كانت هناك مميزات اقتصادية وتجارية، يتمتع بها موقع مدينة بغداد، وهي مميزات أدرك المنصور اهميتها وضرورة توافرها في مجتمع شهد تطورات اجتماعية واقتصادية جديدة إذ يقول: هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء يأتينا فيها كل مافي البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وماحول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة وماحول ذلك . (الطبري، ج7، 1985: 614) .