القرآن الكريم واللَّهجات العربيّة (دراسة لغويّة)
( أ.د. البشرى السّيّد مُحَمَّد هاشم [1]
المبحث الأوَّل: علاقة القرآن الكريم باللَّهجات العربيّة:
يُعَدُّ القرآن الكريم ـ كلام الله المُنْزَل ـ مصدرًا مهمًا من مصادر اللَّهجات العربيّة القديمة وخير شاهد لها، لاشتماله على ألفاظ عديدة ترجع إلى لهجات العرب المختلفة، التي هي جزء لا يتجزأ من اللُّغة العربيّة الفصحى، بل هي أساسها؛ لأنَّ اللَّهجات العربيّة هي طريقة العرب في كيفيّة أداء هذه اللُّغة، ونطق أصواتها، وتراكيبها، وتوضيح دلالة ألفاظها. فقد أُنزل القرآن الكريم بلسانهم مخاطبًا إيّاهم، قال تعالى في وصفه: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [الشُّعراء: 192-195] ، وقال تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [يوسف: 2] .
وهذا اللِّسان العربيّ ـ الذي شرَّفه الله تعالى بنزول القرآن الكريم به ـ متعدّد اللَّهجات، لتعدُّد القبائل النَّاطقة به، فكان من حكمة الله تعالى، ولإظهار إعجاز القرآن الكريم، وإبراز سحر لغته، أنْ تجد أفصح هذه اللَّهجات متسعًا في ألفاظ القرآن الكريم، فمثّل بذلك أوثق مصادرها، وخير حافظ لها. وقد قال العلماء:"لولا هذا الكتاب الكريم لما وُجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم، كيف كانت تنطق العرب بألسنتها، وكيف تقيم أحرفها، وتحقّق مخارجها" [2] .
(1) (( ) أستاذ دكتور (بروفيسور) مشارك، جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلاميّة.
(2) الرَّافعيّ: تاريخ آداب العرب، 2/71.