فهرس الكتاب
كما قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- [1] .
ولله در من قال:
و لست بناج من مقالة طاعنٍ
ولو كنتُ في غارٍ على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًا
ولو غاب عنهم بين خافِيَتَي نسرِ [2]
ولكن: (إذا كان رضى الخلق معسورًا لا يدرك، كان رضى الله ميسورًا لا يترك) [3] .
ومن ظن أن شجيًا يسلم من خلي فقد غلط غلطًا فاحشًا ورحم الله ابن حزم إذ يقول: (العقل والراحة في اطراح المبالاة بكلام الناس واستعمال المبالاة بكلام الخالق- عز وجل- ومن قدر أنه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون) [4] .
وقديمًا قيل:
والعذر عند كرام الناس مقبول * والعفو من شيم السادات مأمول
والله المسئول أن يرزقنا العلم النافع والعمل به والدعوة إليه، وينفعنا بما نقرأ ويزيدنا علمًا إلى أن نلقاه،-مع المحبرة إلى المقبرة [5]
(1) -رواه الترمذي والقضاعي وابن بشران وغيرهم، وقد تكلم الألباني (رحمه الله) . على الحديث وطرقه في (تخريج أحاديث شرح العقيدة الطحاوية) . ثم في (الصحيحة) . (2311) . وبين أنه لا يضره وقف من أوقفه وأنه صححه ابن حبان. كما في (صفة الصلاة) . (44) .
(2) - الخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خفيت، وتكون وراء القوادم.
(3) -انظر: (السير) (17\808) ، و (إعلام الخائض بجواز مس المصحف للجنب والحائض) (ص:4) الطبعة الثانية، و (ذاكرة سجين مكافح) (3\67) .
(4) -انظر: (الأخلاق والسير) (ص 17) . لابن حزم. انتهى من كتابي: (أناشيد عربية لا إسلامية) (ص:5/6) . و (القول السديد في معالم التوحيد) (ص:146) .
(5) -قال صالح بن أحمد بن حنبل: (رأى رجل مع أبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ، وأنت إمام المسلمين-يعني: احتاج إليك الناس ومعك المحبرة تحملها-فقال: مع المحبرة إلى المقبرة) ، وفي رواية أنه قال: (أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر) -كما في (مناقب الإمام أحمد) (ص:31) .
قال ابن القيم-رحمه الله-: العلماء بالله وأمره هم حياة الموجود وروحه، ولا يُستغنى عنهم طرفة عين، فحاجة القلب إلى العلم ليست كالحاجة إلى التنفس في الهواء، بل: أعظم، وبالجملة فالعلم للقلب مثل الماء للمسك، إذا فقده مات، فنسبة العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها.
وقال محمد بن إسماعيل الصائغ: (كنت أصوغ مع أبي ببغداد، فمر بنا أحمد بن حنبل وهو يعدو ونعلاه في يديه، فأخذ أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي، إلى متى تعدو مع هؤلاء؟ قال: إلى الموت) .
وقال الحسين بن منصور الجصاص: قلت لأحمد بن حنبل-رحمه الله-: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: إلى الموت.
وقال نعيم بن حماد: سمعت عبد الله بن المبارك-رحمه الله-وقد عابه قوم في كثرة طلبه للحديث، فقالوا له: إلى متى تسمع؟ قال: إلى الممات.
وقال عبد الله بن بشر الطالقاني: أرجو أن يأتيني أمري والمحبرة بين يدي، ولم يفارقني العلم والمحبرة.
وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري: جاء ابن بسطام الحافظ يسألني عن الحديث، فقلت له: ما أشد حرصك على الحديث! قال: أوما أحب أن أكون في قطار آل رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
وسئل الحسن عن رجل له ثمانون سنة: أيحسن أن يطلب العلم؟ قال: إن كان يحسن به أن يعيش. انظر: (مفتاح دار السعادة) (1\74) ، و (صور من صبر العلماء...) (ص:24) .
وقد ذكر الحافظ الخطيب في (شرف أصحاب الحديث) (ص:53) أبياتًا في وصف المحبرة هذا مطلعها:
قناديلُ دين الله يسعى بحملها * رجال بهم يحيا حديث محمد
هم حملوا الآثار عن كل عالم * تقيٍّ، صدوقٍ، فاضل متعبد
محابرهم زُهْرٌ تُضيء كأنها * قناديل حبر ناسكٍ وسط مسجدِ
تساق إلى من كان في الفقه عالمًا * ومن صنف الأحكام من كل مسند
وقال أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوي: سمعت جدي يقول: مرَّ أحمد بن حنبل جائيًا من الكوفة، وبيده خريطة-هي الكيس له خيط بفمه يُشَدُّ فيُغلَق-، فأخذت بيده، فقلت: مرة إلى الكوفة! ومرة إلى البصرة! إذا كتب الرجل ثلاثين ألف حديث لم يكفه؟ فسكت، ثم قلت: ستين ألفًا؟ فسكت، فقلت: مائة ألف؟ فقال: حينئذ يعرف شيئًا. قال أحمد بن منيع: فنظرنا، فإذا أحمد كتب ثلاثمائة ألف، عن بهز بن أسد وعفان، وأظنه قال: روح بن عبادة. كما في (مناقب الإمام أحمد) (ص:28) ، و (صور من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل) (ص:111\112) لأبي أنس صلاح الدين السعيد.