ولا يخلو عن ذلك حكم من الأحكام، حتى العبادات: فمنها: الواجبة، ومنها المندوب، ومنها المباح، ومنها المكروه، ومنها المحرَّم، وكل ذلك منصوص عليه لا ريب.
والزواج: قد يكون واجبًا عند الخوف من الوقوع في الحرام، مع القدرة على القيام بأعباءه، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، وهو أصله العام، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا: إذا علم من نفسه التقصير بحق زوجته، وذلك تبعًا للمصلحة الشرعية المعتبرة، مع عدم وجود النص، فالنصوص الإجمالية هي التي دعمت المقصد الشرعي.
وفي إطار الاختيار بين الأحكام المباحة تبعًا للمصلحة:
توزيع الزكاة على مصارفها: فهل يتحتم التوزيع على الأصناف الثمانية كما قال فقهاء الشافعية، أم تترجح بعض المصارف على غيرها حسب المصلحة الشرعية، وتتبدل حسب الزمان والمكان.
فقد رجح عمر بن الخطاب رضي الله عنه مصلحة غير المؤلفة قلوبهم، ولم يعط أحدًا منهم.
وقد تتأكد مصلحة إعطاء الزكاة للمجاهدين في سبيل الله في مثل ظروف الأمة اليوم، في فلسطين والشيشان، وكشمير ومناطق التماس والمواجهة مع عدو الإسلام.
وقد تترجح مصلحة الفقير المحتاج إذا كان من الأقربين.
ومن الأمثلة المعاصرة: رمي الجمار في يوم النحر، وأيام التشريق، له أزمنة معينة، ومع ضيق المكان، تترجح مصلحة اتساع الزمان، بحيث يُفتى بجواز الرمي في غير الأوقات المحددة بالنص.
وختامًا أقول: لا ينبغي أن يعمم القول باعتبار المصلحة، حتى لا تصبح ذريعة لوصول العوام، ودوي الأهواء من الولاة والقضاة إلى أهوائهم ومآربهم؛ بإلباسها ثوب المصلحة، وعندها يكون القول بالمصلحة من باب التلذذ والتشهي، وإنزال الشرع على مقتضى الهوى، وذلك غير جائز (15) .
(1) المستصفى، 1/3.
(2) المستصفى، 1/174.
(3) المبسوط للسرخسي ج: 10 ص: 145.
(4) يُنْظَر: جمع الجوامع، 3/43.
(5) إعلام الموقعين ج: 3 ص: 3.