الصفحة 16 من 18

قد يرى بعض الناس أن فتح هذا باب: تبدل الأحكام بتدل المصالح، وترديد عبارة: المصلحة والنص: يؤدي إلى تبديل الشريعة، وقلب أوضاعها، فكلما ظهرت للناس مصلحة تركوا لها نصًا، وفي هذا رفع للأحكام الشرعية شيئًا فشيئًا.

والجواب: أم مما لاشك فيه أن هناك أحكام لا تتغير بحال من الأحوال: كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وتقدير الحدود.

وأما الذي يتغير، فهو في الإطار التنفيذي: فعند تعارض النصوص من حيث الظاهر، نلجأ إلى التوفيق والجمع بينها ما أمكن، فإن تعذر الجمع نلجأ إلى الترجيح بالأقوى، والأوفق لمقاصد الشريعة، فإن تعذر نلجأ إلى تقديم المقصد الشرعي العام ـ والذي له مستند شرعي أصلًا ـ على النص.

فمثلًا: تزوُّج المرأة على أختها أو عمتها أو خالتها منهي عنه شرعًا، ثبت ذلك بالنص؛ وظهرت العلة واضحة بنص آخر،"إنكم إن فعلتم ذلك قطَّعتم أرحامكم" (14) ، ففي الجمع بين الزوجة وأختها، أو بينها وعمتها، أو بينها وخالته: مفسدة قطع الأرحام، وفي دفعها مصلحة الوئام وصلة الأرحام.

فلو ماتت الزوجة؛ فإن أختها، أو عمتها، أو خالتها تحل للزوج، وتترجح مصلحة الزواج بإحداهن؛ صيانة للأولاد.

فالأخت أو العمة أو الخالة كانت في ظل الحرمة قبل موت الزوجة، ثم انتقلن إلى ظل الحِلِّ بعد موت الزوجة.

فالأحكام الشرعية ظلال ثابتة، والوقائع هي التي تنتقل من ظل إلى ظل بإذن الشرع: الصريح، أو بدلالة المقاصد الشرعية العامة.

وبمعنى آخر: تتناوب أفعال المكلفين بمقتضى الظروف والأحوال، كما في حرمة الميتة والربا في حالة السعة واليسر، وإباحتها في حالة الضيق والعسر.

ثم ألا يقول الفقهاء عن كثير من الأحكام: إن هذه الباب من الفقه يعتريه الأحكام الخمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة.

فقد يكون الانتقال بين هذه الأحكام الخمسة منصوص عليه، وقد يكون بتغليب جانب المصلحة الشرعية المعتبرة حينًا آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت