يقول فراى:"لا يمكن نظم قصائد شعرية إلا من منطلق قصائد أخرى، ولا إنشاء روايات إلا انطلاقا من روايات أخرى . . . ولا يمكن أن تجئ رغبة الكاتب في الكتابة إلا من تجربة أدبية سابقة، إن الأدب لا يستمد أشكاله سوى من نفسه . . . كل ما هو جديد في الأدب ليس إلا قديما مطروقا، أما تجربة الذات، فشيء لم يوجد بعد." [1] ويقول رولان بارت:"النص يتألف من كتابات متعددة تنحدر من ثقافات عديدة وتدخل في حوارات مع بعضها البعض وتتحاكى وتتعارض." [2]
تذكرت هذه الأقوال حين قرأت رواية العصفورية لغازي القصيبي، فالجينات التراثية شكلت كثيرا من ملامح هذا العمل، وفتحت أبوابه لجينات كل النصوص السابقة لتأخذ نصيبها منه، ولعل أكثرها نصيبا هي جينات رسالتيْ التوابع والزوابع والغفران مما يجعلنا نجزم بحضور هاتين الرسالتين في ذهن القصيبي حضورا قويا أثناء كتابة عمله هذا . وسوف نتتبع هذه الملامح في الفقرات التالية:
القصيبي وابن شهيد
الولوج إلى عالم الجن
روى ابن شهيد قصة دخوله إلى عالم الجن وملابساتها حين أرتج عليه القول وعجز عن إكمال أبيات رثائية بمحبوب له مات، وبينما هو كذلك إذا بفارس بباب المجلس على فرس أدهم قد اتكأ على رمحه وصاح به:"أعجزا يا فتى الإنس؟"وبعد مساعدته في إكمال البيت سأله من يكون، فقال"إنه زهير بن نمير من أشجع الجن." [3] هذه بداية ابن شهيد في الدخول إلى عالم الجن وبداية رحلته التي زار خلالها شياطين الشعراء والكتاب، وحضر مجالس نقادهم، وسمع أشعار حيوانهم.
(1) نقلا عن: تزفيتان تودوروف، مدخل إلى الأدب العجائبي، ترجمة الصديق بو علام (الرباط: دار الكلام، 1993م) ، 34.
(2) بارت، درس السميولوجيا، 87.
(3) ابن شهيد، التوابع والزوابع، 89.