ثم يمضيان إلى البيت المجاور فيجدان على عتبة الباب شيطانا زريَّ الهيئة، رثَّ المظهر، ما إن رأى البروفيسور حتى وثب ومد يديه إلى رقبته وبدأ يخنقه. وحين سأل عن سر ذلك قال له شعلة الذكاء إنه شيطان متشرد فقير المنفى، وهو يحاول أن يجعل من جمجمة كل رأسمالي منفضة للسجائر، ثم يقدمه له ويقول: أقدم لك شيطان عبد الوهاب البياتي. وبعد أن ينشده الشيطان شيئا من قصائده يقول: اذهب يا شيطان، فأنت أشعر الشعراء المتشردين الفقراء المنفيين، فيقول له الشيطان: وأنت يا رأسمالي، فاذهب فقد منحتك جمجمتك . ثم يختم البروفيسور جولته بين بيوت الشعراء بالوقوف مع شيطان الجواهري، ثائر دموي الانقلابجي، وهو شيطان كهل، جاء متأبطا زجاجة وقنبلة وبندقية كلاشينكوف، فأنشده واستنشده، ثم انتهى اللقاء بعراك كاد أن يودي بحياة البروفيسور.
حمير ابن شهيد وحمير القصيبي
في فصل من فصول التوابع والزوابع ينتقل ابن شهيد مع تابعه زهير بن نمير إلى أرض خاصة بحيوان الجن فيها قطيع من الحمير والبغال"تصطك بالحوافر، وتنفخ بالمناخر، وقد اشتد ضراطها، وعلا شحيجها ونهاقها."ولما أبصرت ابن شهيد وتابعه أقبلت إليهما وهي تقول: جاءكم على رجليه. .يقول ابن شهيد:"فارتعت لذلك، فتبسم زهير وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بدأتني بالتفدية، وحيتني بالتكنية، فقلت: ما الخطب؟ حميَ حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك ؟ فقالت العانة لابن شهيد: شعران لحمار وبغل اختلفنا فيهما وقد رضيناك حكما. فسمع شعر البغل أولا، ثم شعر دكين الحمار الذي ابتدأه بقوله:"
دهيت بهذا الحب منذ هويث ... وراثت إراداتي فلست أريث
وختمها بقوله:
وما نلت منها نائلا غير أنني ... إذا هي راثت رثت حيث تروث