الصفحة 20 من 23

من خلال ما سبق تبين لنا أن موقف الظاهرية من تعليل الأحكام الشرعية جاء محكوما بمذهبهم العقدي في تعليل أفعال الباري تعالى، وإن لم يثبت عن داود الظاهري أن تكلم في الموضوع من الناحية العقدية صراحة، فلا يعني أن موقفه من التعليل الأصولي لم يكن له مبرر عقدي، إذ إن الأدلة الشرعية الناصَّة على أن الأحكام الشرعية مُعلَّلة بالمصالح مبسوطة لا تخفى على فقيه مثله، وكل ما في الأمر أن علم الكلام وقتها كان علما غريبا غير مقبول عند الفقهاء، فلم يكن بوسع داود الظاهري توظيفه في محاجَّة الخصم، فكان من الطبيعي أن تظل الخلفيات الكلامية التي دفعته إلى رفض التعليل دفينة إثر غياب الآليات المنطقية والكلامية. ولمَّا جاء ابن حزم وعزم على إحياء المذهب الظاهري فرض عليه الوضع الجديد الذي شهد فيه انتشار علم الكلام والجدل الكشف عن الموانع الكلامية التي منعت شيوخه الظاهرية من تعليل الأحكام الشرعية، إذ لم تعد الطرق الكلامية بما تقوم عليه من أقيسة ومبادئ فلسفية منبوذة غير معوَّل عليها في المناظرة كما كانت في أيام شيخه داود، فكانت الفرصة مواتية لابن حزم أن يُظهر الوجه العقدي للمذهب الظاهري بعدما ألِف العلماءُ الطرق الكلامية والمنطقية، فلم يكن غريبا عليهم وقتها أن تُعقد المناظرة حول التعليل ـ بعد الإجماع عليه ـ ما دام الجدل حوله اتخذ مسلكا عقديا غير الذي كان عليه بالأمس البعيد.

هذا وأدعوه تعالى السداد فيما قلت، والرشاد فيما كتبت، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمن الشيطان ومن نفسي، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

هامش المصادر والمراجع:

[1] - تعليل الأحكام عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد لمحمد مصطفى شلبي ص:14-15 دار النهضة العربية، ط.2/1401هـ. 1981م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت