فهرس الكتاب
ومن قال أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقد يعذب من هو أقل ذنوبا ممن يغفر له فإنهم احتجوا بقول الله عز وجل: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [1] وبعموم قوله تعالى: { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} [2] وبقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خمس صلوات كتبهن الله على العبد من جاء بهن لم ينقص من حدودهن شيئا كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن لم يكن له عند الله عهد أن شاء عذبه وإن شاء غفر له وجعلوا الآيتيتن اللتين ذكرنا قاضيتين على جميع الآيات التي تعلقت بها سائر الطوائف وقالوا لله الأمر كله لا معقب لحكمه فهو يفعل ما يشاء ما نعلم لهم حجة غير ما ذكرنا [3] .
قال أبو محمد: ونحن نقول إن الله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء وإن كل أحد فهو في مشيئة الله تعالى، الا أننا نقول أنه تعالى قد بين من يغفر له ومن يعذب وإن الموازين حق الموازنة حق الشفاعة حق وبالله تعالى التوفيق.
وعن ابن عباس في قول الله تعالى: {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} [4] قال ما وعدوا فيه من خير وشر وهذا هو نص قولنا وقد ادعى قوم أن خلاف الوعيد حسن عند العرب وانشدوا:
وأني وإن واعدته وأوعدته لمخلف ... ميعادي ومنجزه موعدي
قال أبو محمد وهذا لا شيء قد جعل فخر صبي أحمق كافر حجة على الله تعالى والعرب تفخر بالظلم قال الراجز: ( أحيا أباه هاشم بن حر مله ترى الملوك حوله مغر له يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له)
وقد جعلت العرب مخلف الوعد كاذبا قال الشاعر أنشده أبو عبيدة معمر بن المثنى أتوعدني وراء بني رباح: كذبت لتقصرن يداك دوني .
(1) سورة النساء ،48.
(2) سورة البقرة ، الآية284.
(3) الفصل في الملل 4/40
(4) سورة هود ، الآية109.