فهرس الكتاب
ولا شك في ترجيح النص الخاص على العموم وتقديمه وعليه عمل علماء الاسلام في أدلة الشريعة ومن لم يقدمه في بعض المواضع لم يمكنه الوفاء بذلك في كل موضع واضطر إلى التحكم والتلون من غير حجة بينة وقد أجمع من يعتد به من المسلمين على تخصيص الصغائر من آيات الوعيد العامة على جميع المعاصي متى كان أهل الصغائر من المسلمين ولم يلزم من ذلك خلف في آيات الوعيد ولا كذب ولا تكذيب لشيء منها فكذلك سائر ما صح من أحاديث الرجاء ليس فيه مناقضة لعمومات آيات الوعيد ولا يستلزم تجويز الخلف على الله تعالى وذلك باب واحد ولذلك اشتهرت أحاديث الرجاء في عصر الصحابة والتابعين ولم ينكرها أحد بل رواتها أكابرهم وأئمتهم . وفي العواصم من ذلك عن علي عليه السلام بضعة عشر أثرا بل المخصصات للعمومات في ذلك قرآنية وعمومات الوعد مانعة قبل تخصيص الوعيد من الجزم على وقوع عمومه دون عموم الوعد على أن الخلف عند جماعات كثيرة لا يكون إلا عدم الوفاء بالوعد بالخير وأما الوعيد بالشر فقد اختلف في تركه وأجمعوا على أنه يسمى عفوا كما قال كعب ابن زهير:
أنبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
وإنما اختلفوا مع تسميته عفوا هل يسمى خلفا أم لا ومن منع من ذلك منع صحة النقل له لغة واحتج على امتناعه بأنه لا يصح اجتماع اسم مدح واسم ذم على مسمى واحد وقد تقدم زيادة في هذا في مسألة الحكمة فلينظر هناك ويستثنى من هذا كل وعيد جعله الله تعالى نصر للانبياء والمؤمنين ووعدهم به فانه يكون حينئذ وعدا لا يجوز خلفه كما قال صالح عليه السلام لقومه: {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [1] ولذلك سماه وعدا.
(1) سورة هود ، الآية65.