أما شيوخه الذين سمع منهم وروى عنهم في حماة ودمشق والقدس والقاهرة فهم كثرة نذكر منهم: جمال الدين ابن مالك صاحب الألفية في النحو، والقاضي تقي الدين ابن رزين الحموي (6) ، ومسند الشام ابن أبي اليسر، وابن عزون، وابن عبد الله (7) ، وابن مسلمة، وابن القسطلاني، وأصحاب البصيري (8) ، كما روى عن شيخ الشيوخ شرف الدين الأنصاري الحموي وأنشد في كتبه من مستحسن شعره (9) . وقد خرّج علم الدين البرازالي مشيخة ابن جماعة في كتاب طبع في بيروت مؤخرًا بتحقيق الدكتور موفق بن عبد الله.
ولما أتم بدر الدين تحصيله العلمي انصرف إلى التدريس والإفتاء، فقد ذكر أنه كان يدرس بالقيمرية في دمشق (10) ، وأنه أفتى في سن مبكرة، ولما عرضت فتواه على الشيخ محيي الدين النووي استحسن ما أجاب به (11) . أما السبكي صاحب الطبقات ـ وهو أحد تلامذة بدر الدين ـ فقد ذكر أنه ذو عقل لا يقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه (12) ، وكفى بالسبكي شاهدًا على فضل بدر الدين ابن جماعة وعلو منزلته العلمية.
وقد انتدب ابن جماعة إلى القضاء والخطابة في القدس ودمشق والقاهرة، وبقي قاضيًا للقضاة في مصر وحدها خمسًا وعشرين سنة، ولما استغنى لم يأخذ على القضاء أجرًا معلومًا، مقتديًا بشيخه تقي الدين ابن رزين الحموي (13) . ويبدو أن أجمل أيامه في القضاء كانت في دمشق والقدس، حيث كان بعيدًا عن مركز السلطة، آمنًا على دينه، سالمًا من الكيد والحسد. وكثيرًا ماكان القضاة يتعرضون للعزل والنقل بسبب وقوفهم إلى جانب الحق، وعدم استجابتهم لأهواء السلاطين. وفي شعر ابن جماعة إشارة إلى ذلك هي في غاية البيان والإحسان. يقول:
يالهف نفسي لو تدوم خطابتي
بالجامع الأقصى وجامع جلَّق
ماكان أهنأ عيشنا وألذّه
فيها.. وذاك طراز عمري لو بقي
الدين فيه سالم من هفوة
والرزق فوق كفاية المسترزق
والناس كلهمُ صديق صاحب
داعٍ.. وطالب دعوة بترفق (14)