وقد أكسبته حياة القضاء الطويلة علمًا لا ينضب معينه، وخبرة واسعة في دنيا الناس، وفهمًا عميقًا لفنون الرواية والدراية، فانصرف يؤلف الكتب في قواعد الحكم والأحكام الفقهية، وفي أصول البحث والمناظرة والتربية. ولربما نظم الشطر ليزيح عن صدره معتلجًا أو وجدًا منبعثًا.. حتى كف بصره، وثقل سمعه، فأعفى نفسه من القضاء، غير أنه لم ينقطع عن التدريس. وكان بيته المطل على نهر النيل موئلًا يقصده أهل العلم والأدب، فيسمعون ويتبركون، إلى أن وافاه الأجل سنة 733هـ، عن عمر يناهز الرابعة والتسعين، ودفن بالقرافة في القاهرة، قريبًا من الإمام الشافعي، وكانت جنازته حافلة هائلة (15) .
وقد تعاقب أبناؤه وحفدته من بعده على خطابة المسجد الأقصى وإعادة المدرسة الصلاحية في القدس، والقضاء في مصر والشام أكثر من قرن ونصف من الزمن، وكلهم يعرف باسم"ابن جماعة"، وآخر من ذكر القاضي مجير الدين الحنبلي ـ وهو من أعلام القرن العاشر الهجري ـ من أفراد هذه الأسرة العلمية: الخطيب محب الدين ابن جماعة وأخوه شيخ الإسلام نجم الدين (16) .
أما تلامذة بدر الدين ابن جماعة فنكاد لا نحصي لهم عددًا، وإن منهم من تقصر دونه أعناق الطامحين، ويكفي أن نذكر المسند الكبير برهان الدين الشامي (17) ، وعبد الوهاب السبكي صاحب طبقات الشافعية الكبرى (18) ، وعبد العزيز ابن جماعة قاضي القضاة في مصر والشام فلذة كبده وقرة عينه.. وآخرين غيرهم أتى على ذكرهم أصحاب التراجم.