الصفحة 4 من 16

وحياة ابن جماعة المديدة جعلته معاصرًا لأحداث عديدة، فقد شهد سقوط دولة بني العباس في بغداد على أيدي المغول، ومرحلة التراجع الصليبي، وغروب شمس بني أيوب عن مصر والشام، وقيام حكم المماليك فيهما.. وما تبع ذلك من اصطراع على السلطة، حتى أن الملك الناصر محمد بن قلاوون ـ بعد استعادته سلطته للمرة الثالثة ـ عاتب ابن جماعة قائلًا: يا قاضي.. كيف تفتي المسلمين بقتالي؟.. فأجابه ابن جماعة: معاذ الله أن تكون الفتوى كذلك، إنما الفتوى على مقتضى كلام المستفتي (19) .

ونحن نستطيع من خلال هذه المحاورة أن نستظهر كيف كان ولاة الأمر يوظفون القضاء لخدمة مآربهم السياسية متوسلين إلى ذلك بالخدع اللفظية، على أن مكانة ابن جماعة، كان تحول دون الإيقاع به، فقد اجتمع له ما لم يجتمع لغيره: القضاء والخطابة ومشيخة الشيوخ (20) ، وابن جماعة هو الذي يقول:

لم أطلب العلم للدنيا التي ابتغيت

من المناصب أو للجاه والمال

لكن متابعة الأسلاف فيه كما

كانوا فقدّر ماقد كان من حالي (21) .

وقد أجمع أصحاب التراجم على حسن سيرة ابن جماعة وصفاء سريرته وزهده وتقشفه في كل شيء مأكلًا وملبسًا ومركبًا، وأثنى عليه كثير ممن عاصره، وشهدوا بصحة أحكامه ويمن أيامه، وفهمه وعلمه. وإذا كانت المعاصرة حجابًا كما يقال، إلا أنها لم تحجب صورة العالم الذي بسط إحسانه على أجيال تتابعت وأحقاب توالت. وحسب ابن جماعة شرفًا شهادة معاصريه من أقرانه وإخوانه، وأساتيذه وتلاميذه:

قال السبكي: محدث فقيه، ذو عقل لا يقوم أساطين الحكماء بما جمع فيه (22) .

وقال الصفدي: كان قوي المشاركة في علوم الحديث والفقه والأصول والتفسير، خطيبًا تام الشكل ذا تعبد وأوراد (23) .

وقال ابن الوردي: كان ينطوي على دين وتعبد، وتصون وتصوف، وعقل ووقار، وجلالة وتواضع.. حمدت سيرته، ورزق القبول من الخاص والعام.. ومحاسنه كثير (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت