وقد راجعت صحيح مسلم فلم أر له فيه ذكرا، إنما فيه حديث:"بين كل أذانين صلاة لمن شاء"، فهذا هو المتفق عليه، وأما:"صلوا قبل المغرب، ثم قال: صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء". كراهية أن يتخذها الناس سنة؛ فقد انفرد به البخاري. فمن قال: إنه متفق عليه. فقد وهم والتبس عليه أحد الحديثين بالآخر، حيث كان صحابيهما واحدا، وهو: عبد الله بن مغفّل.
3-ومنها: سلوككم مسلك الترجيح بين حديث ابن عمر وحديث أنس، مع أنه إنما يصار إلى الترجيح عند تعذر الجمع، ومتى أمكن الجمع؛ تعين المصير إليه، لما في ذلك من الأخذ بكلا الدليلين، والجمع هاهنا ممكن، وقول من قال:"عدم الرؤية لا تستلزم العدم"، غير ظاهر، بل عدم رؤية ابن عمر تستلزم العدم في الوقت الذي أخبر عنه، لأنه لا يخبر بعدم الرؤية إلا عن حضور ومشاهدة، ولا يصح أن يخبر بعدم الرؤية مع عدم حضوره.
ولهذا قال العلامة الزرقاني في"شرح المواهب"معترضا على مسلك من سلك الترجيح بين حديثي أنس وابن عمر بأن الأول مثبت والثاني ناف، والمثبت مقدم على النافي، لأن معه مزيد علم؛ ما نصه:"لكن هذا في غاية البعد، إذ ابن عمر لا شك أنه كان يصلي مع المصطفى، فلو واظبوا عليها لرآهم يوما من الدهر، فتعين الجمع بينه وبين إثبات أنس بأنهم فعلوها مدة، فلم يرهم ابن عمر لعذر منعه، ثم تركوها وابن عمر حاضر، فنفى رؤيته. ولا يصح أن ينفيهما مع عدم حضوره، لأنه يكون من باب الحائط لا يبصر، ومعلوم أنه متى أمكن الجمع تعين المصير إليه". انتهى كلامه. فابن عمر أخبر عما رأى، وأنس أخبر عما رأى، فلا تعارض بينهما كما هو الظاهر.
4-ومنها: تصريحكم بأن ما سكت عنه [2] أبو داود محتمل للصحة والحسن والضعف، فلا يُجزم فيه بواحد منها.
فيه نظر؛ وهو أنه إذا صححه غيره أو حسنه أو تعقبه فإنه يجزم فيه بذلك. فسكوته عنه لا ينافي تصحيح غيره أو تحسينه له جزما.