الصفحة 56 من 89

ولهذا فليس كل كلام ورد في كتاب التأريخ مما تتلقاه العقول بالقبول ، ولكن لا بد أن يعرف الناظر فيها مناهج أصحابها وتوجهات مؤلفيها ، وأهداف تصنيفها ، فإن كثيرًا من سير العلماء والدعاة والخلفاء قد شوهت ، ونسب لهم من المواقف ما هم منه براء ؛ كما هو مشتهر من سيرة الخليفة هارون الرشيد - رحمه الله تعالى - ، فقد امتلأت الكتب المترجمة له بذكر أخباره مع الجواري والقيان ، ومعاقرة الخمور وممازحة المردان ، وهو من ذلك براء كما حققه العلماء ، وبيَّن عواره ومواطن وضعه أهل التحقيق المخلصين ، وأكبر كتاب من هذا الصنف ؛ في تراجم أهل فن مخصوص ، ولقي عناية من الأدباء ظاهرة ، بل عده بعضهم العمدة التي لا يستغني عنه أي أديب ، هو كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ، فهو وإن احتوى على علوم ومعارف ؛ إلا أنه سم فيه دسم وليس العكس ، لأن أصل وضع الكتاب على أساس محرم في دين الله تعالى وهو الغناء ، وأصوات المغنين وألحانهم ، وهذا الكتاب قد قرأته ، وعلقت عليه في مواطن كثيرة منه ، ووقفت فيه على كفريات وفحش وسفالة في مواطن كثيرة ، وحوى تنقصًا ظاهرًا لأمور من الدين رئيسة، وقد بينت عواره وسمَّه ، وبذاءته ، وضرره في تاريخ الأمة ، في بحث بدأته حوله ، أسأل الله أن ييسر ظهوره ، وأن ينفع به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت