فهرس الكتاب
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستقامة [1] ، بعدما ذكر موقفًا ينسب للإمام أبي عبدالله الشافعي - رحمه الله - ، مبينًا ضرر هذه المصنفات ودسها ، وأنها ليست مظنة للعلم ولا محلًا للثقة: فهذه الحكاية يعلم أنها مفتراة من له أدنى معرفة بالناس ، ولو صحت عمن صحت عنه لم يكن فيها إلا ما هو مدرك بالإحساس ، من أن الصوت الطيب لذيذ مطرب ، وهذا يشترك فيه جميع الناس ؛ ليس هذا من أمور الدين حتى يستدل فيه بالشافعي ، بل ذِكرُ الشافعي في مثل هذا غض من منصبه ، وأهل المواخر أعلم بهذه المسألة من أئمة الدين ، ولو حكي مثل هذا عن إسحاق بن إبراهيم النديم ، وأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني ؛ لكان أنسب من أن يحكيها عن الشافعي .ا.هـ .
وفي التاريخ [2] للخطيب بسنده عن: أبي محمد الحسن بن الحسين النوبختي - رحمه الله - قال: كان أبو الفرج الأصبهاني أكذب الناس ؛ كان يدخل سوق الوراقين وهي عامرة ، والدكاكين مملوءة بالكتب ، فيشتري شيئًا كثيرًا من الصحف ، ويحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها .اهـ
وقد يكون الدافع لذلك التشويه الحقد على أولئك الأعلام في أشخاصهم ، أو بسبب ما يعتنون به من علم ودراية ، أو بسبب ما يكون بين الأقران والمتعاصرين من الحسد ، أو بسبب العداء للمنهج الذي يدعون له ، والمعتقد الذي يحملونه ، أو سبب ذلك التعصب الأعمى الذي هو من أعظم الأدواء وأخطرها . يقول ابن خلدون [3] : وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها ، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها ، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وَهَّموا فيها وابتدعوها ، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها ، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها وأدوها إلينا كما سمعوها .اهـ
(1) كتاب الاستقامة 1/338 .
(2) تاريخ بغداد 11/398 .
(3) المقدمة 4 .