فهرس الكتاب
الثامنة عشرة: ومنها إدراك أن العلم بهذا الدين ، والفقه في شريعة رب العالمين ، واستنباط الأحكام من الأصلين ، كل ذلك ممكن في كل العصور ، وأن إدراك ذلك قائم لدى الأولين والآخرين ، وأن الأول ترك للآخر الكثير ، وذلك مهم حتى لا تخور الهمم ، وحتى لا تعرض الأمة عن الأخذ بأقوال معاصريها من الأئمة والعلماء ، الذين فاقوا الكثيرين من علماء القرون الأولى ، بعلمهم وصلاحهم واجتهادهم ، وقوة حجتهم ، وبليغ أثرهم في العلم أو الدعوة أو الجهاد ونحو ذلك ، يقول الإمام الشوكاني [1] - رحمه الله تعالى -: وبعد فإنه لما شاع على ألسن جماعة من الرعاع ، اختصاص سلف هذه الأمة بإحراز فضيلة السبق في العلوم دون خلفها ، حتى اشتهر عن جماعة من أهل المذاهب الأربعة تعذر وجود مجتهد بعد المائة السادسة ، كما نقل عن البعض أو بعد المائة السابعة ، كما زعمه آخرون ، وكانت هذه المقالة بمكان من الجهالة لا يخفى على من له أدنى حظ من علم ، وأنزر نصيب من عرفان ، وأحقر حصة من فهم ؛ لأنها قصر للتفضل الإلهي والفيض الرباني على بعض العباد دون البعض ، وعلى أهل عصر دون عصر وأبناء دهر دون دهر ، بدون برهان ولا قرآن ، على أن هذه المقالة المخذولة ، والحكاية المرذولة ، تستلزم خلو هذه الأعصار المتأخرة ، عن قائم بحجج الله ومترجم عن كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومبين لما شرعه لعباده ، وذلك هو ضياع الشريعة بلا مرية ، وذهاب الدين بلا شك ، وهو تعالى قد تكفل بحفظ دينه ، وليس المراد حفظه في بطون الصحف والدفاتر ؛ بل إيجاد من يبينه للناس في كل وقت ، وعند كل حاجة ، حداني ذلك إلى وضع كتاب يشتمل على تراجم أكابر العلماء ...
(1) كتاب البدر الطالع 1 / 2-3 .