الصفحة 63 من 89

2.من خلال معايشة صاحب الترجمة ومعرفته ،كمن يكتب عنه أهله وأبناؤه ، أو طلابه ، أو بعض أهل عصره ؛ من محبيه أو من مناوئيه . ويجب التثبت منها ، وخاصة في كلام الأقران بعضهم عن بعض . وأما من بَعُد عنه التهمة كالابن والزوج فيتثبت من صحة النقل عنهم ، ولا شك أن هذا المصدر مصدر مهم للتعريف ؛ لأنه يعطي صورة واقعية غالبًا عن المترجَم له ، غير الصورة التي يضعها لنفسه ؛ إذ تعريف العَلَم بنفسه لا يخلو غالبًا من أحد أمرين: إما أن يعرف بنفسه تعريفًا ، يصنع لشخصه من خلاله بطولة ومواقف ومآثر يصطنعها ، فلا يخلو قوله عن كلمات التبجيل المصطنع ، والآثار الموهومة ، والنفخ المتضمن لإبراز أعماله ، التي قد لا تكون شيئًا متميزًا عن أعمال كثيرة يؤديها غالب الناس ، وكما قال أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني [1] :

مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء معتمد فيها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

أو أن يكون في كتابته عن شخصه ، وذكره لسيرته ؛ متواضعًا أو زاهدًا أو تاركًا لذكر مآثره ، فيحط من قدر نفسه ، ويظهر في كتابته عنها ، مربيًا لها على الإخلاص والاحتساب وطلب المثوبة من المولى العظيم سبحانه وتعالى ، فهو يبتغي بعمله الله والدار الآخرة .

فكلا الصورتين تحتاج إلى نظرة خارجية ، تزن المقال وتبين الحال ، وهو ما يستفاد من خلال هذه الوسيلة ، التي هي نقل معاصريه وتعريفهم به .

(1) سير أعلام النبلاء 17/144 ، وانظر: مقدمة ابن خلدون: 155 ، 229 ، نفح الطيب 1/214 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت