صفحة رقم 3
مآثرها لعنايتها بنقل حكم الأولين . فإن كان كما قيل فلقائل أن يقول:
ابن المقفع أخذ ما في أشعار المتقدمين من الحكم فنثرها ، والف عليها
كتاب كليلة ودمنة كما رأينا سهل سهل بن هارون أخذ أمثال العرب المشهورة
وحكمها المنثورة فألف عليها كتاب النمر والثعلب وكتاب ثعلة وعفرة .
فأحببت أن انبه ذوي الألباب بمضاهاة أمثال هذا الكتاب على ما
ضمنت مثله أشعار المتقدمين من الجاهلية والاسلاميين الذين لم يعن لهم بنقل
حكم الأولين ، ولا خرجوا عن بريتهم إلى الحضر ولا قرأوا كتب
السياسة والسير . فاستخرجت الأمثال التي في كتاب كليلة ودمنة من حشو
كلامه وأحاديثه المركبة عليه ، فكان جميع ما فيه منها عشر أوراق وكان
ما سواها كما قال الله تعالى: ) فأما الزبد فيذهب جفاء وأما
ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ) الرعد 17 ) . وجعلت
بإزاء كل مثل مثله من منظوم شعر لمتقدم جاهلي أو عربي اسلامي ذكرت
اسمه ونسبه لئلا يظن جاهل بالشعر والشعراء إني نحلت احدًا ما ليس له
ايثارًا لتعصب واحتجاجًا بالتكذيب . واقتصرت على أول ما وجدت من
ذلك ولم اغرق في الاختيار والاستقصاء ، وعديت عما شاكلها من منثور
كلام حكماء العرب وامثالها ، إذكان أبو عبيد القاسم بن سلام قد كفاني
مؤنة ذلك بكتاب ألفه لعبد الله بن طاهر ضمنه ألف مثل ومثلًا ، ضاهي
به كتاب هزار أفسان أيضًا ، اللهم إلا أن يعن مثل بارع يبعد على
قارئ هذا الكتاب وجوده ، فأذكره لتكمل الفائدة به أن شاء الله . ولم
اعمل ذلك طعنًا على ما تضمن كتاب كليلة ودمنة منالأمثال والحكم ،
وإنما اريد تبيين فضله في ذلك ، لمن ظن أن كتاب كليلة ودمنة يجري
مجرى كتاب الله جل وتقدس ، أو ظن أن العجم انفردت بذلك دون
غيرها وأنه لا حكمة لها قبل ظهور نبيها ، ولو كان ذلك لما كانت
المعجزة بتحديها بسورة فلا تقدر على مثلها معجزة . لكني أقول بعدل