وإن ما نسب إلى السادة الأحناف أو من غيرهم عن دار الحرب وعن جواز التعامل فيها بالعقود الفاسدة يجب أن يؤخذ في سياقاته الاجتماعية والسياسية والتاريخية، فلم يكن أهل الإسلام فيما مضى يتوطنون خارج ديار الإسلام بصورة دائمة، وينشئون في مهجرهم مراكزهم ومؤسساتهم الإسلامية، ويتاح لهم فيها من حرية الدعوة وحرية العمل وحرية الكلمة ما هو متاح لجالياتنا المسلمة المقيمة في الغرب، والتي يفوق تعداد بعضها عدد السكان الأصليين من بعض دول عالمنا الإسلامي! ويتحدثون فيها عن قضية توطين الدعوة وتحويلها من دعوة مهاجرة يحملها طلاب وافدون يقيمون فيها بصورة عارضة إلى متوطنين أصليين يحملون جنسية هذه المجتمعات ويوطنون لإقامتهم فيها بصورة نهائية أو شبه نهائية؟!! وفي إطار هذه النظرة تغير موقف فقهائنا من قضية التجنس فلم تعد تحمل ما كانت تحمله من دلالات أدت ببعض أهل الفتوى إلى القول بردة المتجنس عن الإسلام في وقت من الأوقات !
إن الإصرار على تسمية هذه المجتمعات دار حرب سوف يحمل من اللوازم ما لا يقول به ولا يلتزمه أشد الناس تحمسا لهذا الإطلاق من حرمة الإقامة فيها وعدم الاعتداد بدماء المقيمين فيها ولو كانوا من المسلمين وانفساخ عقود الزواج بين الزوجين إذا هاجر أحدهم إلى هذه الديار وغير ذلك مما هو مسطور في بعض كتب السادة الأحناف ولا يقول به من يتحمس لهذه التسميات!
لقد كان فقهاؤنا فيما مضى يتحدثون عن حرمة السفر بالمصحف إلى ديار الكفار وكانوا مصيبين في ذلك غاية الإصابة في ظل السياقات التاريخية والسياسية السائدة يومئذ، واليوم نفس هؤلاء الفقهاء يتنافسون في حث الأمة على طباعة المصاحف وترجمة معانيها ونقلها إلى هذه البلاد، ويعتبرونها قربة من أجل القربات، وهم اليوم مصيبون في ذلك أيضا غاية الإصابة، لتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والظروف والأحوال.
كيف يتأتى المحافظة على الهوية الإسلامية مع تبني هذا المذهب؟