والكلام عن معرفة وتمييز وتحديد وتعيين الرواة يستلزم بالضرورة التطرق إلى الكلام عن الجمع والتفريق بين الرواة ، فلا ريب أن فن الجمع والتفريق بين الرواة منبثق عن فن تمييز الرواة، ومتفرع منه، ومترتب عليه ، ولهذا نجد أن عددًا من العلماء الكبار من المتقدمين والمتأخرين قد وقعت لهم مآخذ في هذا الشأن ، كما وقعت كذلك من بعضهم في تمييز بعض الرواة في بعض الأسانيد.
ولعِظَم هذا الأمر ، وكذلك للضرر المترتب على الخطأ في هذا الباب ، ألَّف جماعة من العلماء عدة مؤلفات تزيل اللبس، والإشكال عن اختلاط الرواة على أهل العلم، والاختصاص فضلًا عن غيرهم .
فمنها: كتاب"مشتبه أسامي المحدثين"للهروي ، ومنها:"المتفق والمفترق"للخطيب البغدادي، ومنها:"موضح أوهام الجمع والتفريق"للخطيب كذلك ، وغيرها مؤلفات عديدة في هذا الشأن ، وكذلك مؤلفات أخرى تتناول تمييز الرواة بأشكال مختلفة كبيان الرواة المبهمين سواء في المتن أو الإسناد ، أو الرواة الذين تشتبه أسماؤهم أو أنسابهم إما خطًّا ورسمًا وإما لفظًا ، وغير ذلك من الموضوعات العديدة المذكورة في كتب علوم مصطلح الحديث ، والتي الغرض منها معرفة الرواة ، والقدرة على التمييز بينهم بشتى الطرق .
قال الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه"موضح أوهام الجمع والتفريق":
(قد أوردنا في هذا الكتاب ذكر جماعة كثيرة من الرواة انتهت إلينا تسمية كل واحد منهم وكنيته والأمور التي يُعزى إليها كنسبته على وجوه مختلفة في روايات مفترقة ذُكر في بعضها حقيقة اسمه ونسبه واقتُصر في البعض على شهرة كنيته أو لقبه وغُيِّرَ في موضعٍ اسمه واسم أبيه ومُوِّه ذلك بنوع من أنواع التمويه ومعلوم أن بعض من انتهت إليه تلك الروايات فوقوع الخطأ في جمعها وتفريقها غير مأمون عليه ولما كان الأمر على ما ذكرته بعثني ذلك أن بينته وشرحته ونسأل الله التوفيق لسلوك قصد السبيل ...)