وجدير بالذكر أن هذه القواعد والضوابط إنما هي مستخلصة ومستقاة من صنيع الأئمة وأقوالهم وتصرفاتهم في تآليفهم ، فهي استقراء لمسالكهم في هذا الشأن ، ومن ثم فقد كان من الأهمية بمكان حصر هذه الأقوال والتصرفات ، وتعقبات بعض الأئمة على بعض ، لاستخلاص هذه القواعد أولًا ، ولترسيخ المفاهيم والمحاذير المتعلقة بالرواة ثانيًا ، وكذلك لاستخراج النصوص والعبارات والإشارات من كلام هؤلاء الأئمة بما يستفاد منه في الاستدلال على ما لم يصرحوا به ، والقياس على كل ذلك من الأشباه والنظائر ، بما ينير السبيل في المواضع المشكلة ، والتي ربما لا يوجد فيها لأحدٍ من الأئمة نصٌّ يزيل الإشكال أو يدُلّ على الصواب .
وإذن فهذه المرحلة ـ مرحلة الاستقراء والاستخراج لهذه النصوص والإشارات ـ كانت أمرًا في غاية الأهمية كما هو ظاهر ، وتوقيتها الطبيعي أن تأتي قبل الشروع في أعمال المراجعة العلمية التي ستستند إلى نتائجها ، وما تخرج به من ثنايا كلام الأئمة من مبادئ وقواعد وضوابط وإشارات يمكن القياس على نظائرها ، والاستفادة من كل ذلك في معالجة مواضع محددة ، بالإضافة إلى مواضع مماثلة أو مشابهة لم يُنَصّ عليها ، فضلا عن تَشَرُّب كل ذلك لتكوين أو تقوية ملكة التعامل مع الرواة وهي جزء مما يسميه العلماء غريزة الحديث .