الصفحة 87 من 97

""""""صفحة رقم 92""""""

فصل ذكر الشوق والمكاشفة

أعلم أن الشوق هو الداعي إلى حالة المكاشفة والشوق هو التمني للقاء المعشوق ولقاء المعشوق لا يحصل إلا بالمكاشفة والمكاشفة أما أن تكون عيانا أو قلبية وهو تجلى المعشوق بحالة يحملها قلب العاشق لكن العيان هو أفضل بل بشرط جامع بين القلب والعين كحالة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فانه كاشفه ليلة إسرائه بالتجلي القلبي والنظري لصحة الروايتين عن عائشة وعلى وابن عباس . وأعلم إن حقيقة المكاشفة هي عين النظر إلى المحبوب ولكن يتفاوت على قدر درجات المحبين وليس نظر الخلق كله واحدًا فأدنى درجاتهم النظر القلبي أما النظر البصري فهو غر قوم عرض غير دائم وأعظم المنزلتين هو الجمع بين النظر والقلب . فإذا رفعت ستور الغفلة والهواء تجلى المحبوب فتلاشى المحب حتى يخرج من الستور البشرية والحجاب الجسماني فيرى الحجاب ويسمع الخطاب: ( و ما كانَ لبشرٍ أن يُكَلِمه الله إلا وَحيًا أو مِن وراء حِجاب ) فعند ذلك يمتد له خطاب من الهواء في جميع ما يحدث في الكائنات فيصير عيسوى الحال: وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم فيصير الملائكة ومؤمنو الجن بحكمه وطاعته وينخرق بينه وبين الله ووزنة يعلم بها خلاصة صفاء أسرار الكائنات ولكن بشرط خير العلم والعمل بصدق من غير تجربة . فإذا هبت نسمات اللطف برفع حجاب الغفلة . انقلبت له الكائنات على ما يريد إذ الإرادتان امتزجتا: واحدة كما سبق في أحوال الصوفية من قولهم: إذا أبصرتنا أبصرته . . . و إذا أبصرته أبصرتنا فيصير الناسوت معنى لطيفا يحدث له من الغيب قوة يقبل بها جميع الواردات عليه فمنه ثمار الكرامات والتحدث بالأمور الغيبيات يعرفه الباحث من جنسه وسائر الطير له منكر فتتجوهر النفس بزوال الأعراض الفاسدة عنها فتصير قدسية لا يخفى عليها الأمور الغيبية فإن قلت هذا نوع مشاركة عزت على الأنبياء فكيف ينالها الأولياء . فأعلم أن اصل الغيب هو من الله القديم فمنته عليهم إطلاعهم على شيء من علوم الغيب: أما سمعته يقول: ( عالِمُ الغَيبِ فلا يَظهرُ على غيَبِة أحدًا إلا مَن أرتَضى مِن رَسُولِ ) وقوله من رسول وهو ستر على الحلال لئلا يحسب أجلاف العامة إنها مشاركة غيبية وهذا غير بعيد إذ خزائن الملوك يطلع عليها المملوك والأمور المستورة من المعشوق فقد يشاهدها العاشق الصادق قياسا بالصورة الحسناء يشاهدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت