فهرس الكتاب
وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين بن عبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا حصين كم تعبد؟» قال ستة في الأرض وواحدًا في السماء قال: «فمن ذا الذي تعد لرغبتك؟» قال الذي في السماء. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن» فأسلم فقال له قل: «اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي» .
فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام لما جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم عنده، فبذلك كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
والمقصود
من الأدلة السابقة ومما يأتي: يجب أن يفهم القارئ أن الدعاء هو العبادة؛ روى النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الدعاء هو العبادة» . وفي رواية: «مخ العبادة» . ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [1] . رواه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا النسائي، وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ.
وهذه الصيغة تفيد حصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى: { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِه } [2] . إذ كل مدعو فهو إله قصد الداعي أن يكون مدعوه إلهًا أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء إله آخر له برهان.
فصل
(1) سورة غافر آية 60.
(2) سورة المؤمنون آية 117.