الصفحة 14 من 19

ويقول ابن عابدين في رسالته عن العرف: [ على أن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله ، وألا يضيَّع حقوقًا كثيرةً ، ويكون ضرره أعظم من نفعه ] [1] .

لذا فقد خالف المتأخرون الإمام وصاحبيه في مسائل عديدة ، استنادًا لتغير الأحوال .. منها: قولهم بجواز أخذ الاجرة عن: تعليم القرآن ، والآذان ، والإمامة .. خلافا لما قال به الامام وصاحبيه .

ومنها: أن أبا حنيفة رضي الله عنه ، اكتفى في الشهود بالعدالة الظاهرة فيما عدا: الحدود ، والقصاص ، ولم ير تزكيتهم ، استنادا لقول الرسول عليه السلام: { المسلمون عدول بعضهم على البعض } ، وكان هذا الاجتهاد مناسبا لزمان الإمام رضي الله عنه ، لغلبة الخير فيه ، فلما كان زمان .. أبي يوسف .. ومحمد .. وفشا فيه الكذب ، كان الأخذ بظاهر العدالة فيه مفسدة ، وضياع الحقوق ، فدعا فساد الزمان إلى قولهما بتزكية جميع الشهود ، درءً لهذه المفسدة !! ، ولذا قال الفقهاء عن هذا الخلاف: إنه اختلاف عصر وزمان ، وأفتوا بقول الصاحبين [2] .

واستنادا لهذا فإن العلماء اعتبروا العرف أصلًا من أصول الاستنباط تبنى عليه الأحكام فيما لاإجماع ولا نصَّ فيه ، لأن .. ما تعارف عليه الناس وساروا عليه صار من حاجاتهم ، ومتفقًا ومصالحهم ، فما دام لا يخالف الشرع ، وجبت مراعاته .

(1) نشر العرف _ مجموعة رسائل ابن عابدين / ج2 الرسالة 31 .

(2) العرف والعادة في رأي الفقاء لأحمد فهمي أبو سنة - ص88 . إضافة إلى امثلة أخرى ذكرها أبو سنة رحمه الله في كتابه . وأورد الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء أمثلةً أخرى ، في كتابه المدخل الفقهي العام / الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد - 1 / 926 إلى 929 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت