الصفحة 2 من 8

ولا شك أن هذا التراث الذي تركه المفسرون يُعدُّ ثروة علمية، لا يمكن الاستغناء عنها، ولا بدّ لكل مطّلع على تفسير كتاب الله، أن ينظر فيها ويستخرج كنوزها، لأن ذلك مُعينٌ على حُسن الفهم، وسعة الإدراك، وبُعد النظر.

ولكن على الرغم من حاجتنا الماسّة لكل هذه التفاسير، فإنَّ الأمر يتطلب وقفةً لمراجعة وتهذيب الكثير منها، لما داخلها من غثّ، ولما شابَها من كَدَر. فحقيقٌ على مفسري كتاب الله، الذي تعهّد الله بحفظه، أن يتجاوبوا مع هذه الحقيقة، فيجنّبوا تفاسيرهم كلّ ما فيها من ريبة، ويطرحوا عنها كلّ ما شوّه جمالها وأنقص بهاءها.

والدعوة إلى تنقية كتب التفسير ليست دعوة إلى بدعة أو ضلالة، لأن تهذيب كتب التفسير بتنقيتها من الإسرائيليات، مَطلبٌ مهم من مطالب التعامل مع التراث، وذلك"لأننا بحاجة إلى أن يكون التعامل مع القرآن، دونما هذا العازل الرديء، الذي تدخَّل بين القارئ وبين النص المقدس ... وهو العازل المتمثِّل في الإسرائيليات" [1] .

يُضاف إلى ذلك، أن التفاسير دخل فيها كثيرٌ من القصص التي كانت تُعدُّ لونًا من ألوان الوعظ، ولكن هذه القصص بعد مرور وقت من الزمن، تحوَّلت إلى حقائق ثابتة في نظر بعض الناس، مما يُؤكّد الجهد الواجب بذله في تحقيق هذه الكتابات.

ولعلّ إدراك ابن تيمية لهذه الحقيقة هو ما جعله يرسم لنفسه منهجًا خاصًّا في التفسير، يقوم على أساس الدراسة النقدية لكتب التفسير، والتمييز في المنقول والمعقول بين الحق والباطل، والتنبيه على الدليل الفاصل بين الأقاويل، فكان يقول:

"وربما اطّلعتُ على الآية الواحدة في نحو مائة تفسير، ثم أسألُ الله تعالى الفهم" [2] .

(1) عاشور، محمد: «كيف نتعامل مع التراث» ، قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر، (القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1418هـ/1997م) ، ص118.

(2) ابن تيمية، عبد الحليم: مقدمة في أصول التفسير، (الكويت: 1971م) ، ص10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت