الصفحة 17 من 54

لقد كان من المتوقع لدى المتلقي أن يجري السياق على نمط واحد فيكون"قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما أجرمتم"، ولكن السياق القرآني تحول عن الظاهر والمتوقع تحولين، تحولًا معجميًا عن لفظة"أجرم"إلى لفظة"عمل"، وتحولًا نحويًا عن الماضي"أجرمنا"إلى المضارع"تعملون".

وعلل ذلك الألوسي فقال [1] :"وهذا أبلغ في الإنصاف، حيث عبر عن الهفوات التي لا يخلو منها مؤمن بما يعبر به عن العظائم وأسند إلى النفس، وعن العظائم من الكفر ونحوه بما يعبر عن الهفوات، وأسند للمخاطبين، وزيادة على ذلك أنه ذكر الإجرام المنسوب إلى النفس بصيغة الماضي الدالة على التحقق، وعن العمل المنسوب إلى الخصم بصيغة المضارع التي لا تدل على ذلك".

"وهذا أسلوب غاية في الكسب للخصم إلى جانب المتحدث، وطريق بارع في التغاضي عن هفوات الخصم، ووسيلة لتحريك دوافع التفكير في المقول، مما يشير إلى وعي الداعية إلى الله في الأسلوب الذي يدعو به الناس" [2] .

ومن السياقات القرآنية التي يرد فيها هذا التحول للدلالة على كثرة وقوع الفعل وتكراره قوله تعالى: { وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } [الزخرف، 6-7] .

(1) روح المعاني، 22/141.

(2) التعبير القرآني والدلالة النفسية، 199، رسالة دكتوراه، مخطوطة عبدالله الجيوسي، الجامعة الإسلامية، ماليزيا، 2001م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت