الصفحة 18 من 54

ففي هذه الآية نجد التحول عن الفعل الماضي"أرسلنا"إلى الفعل المضارع"يأتيهم"، وكان المتوقع بموجب المطابقة بين الأفعال أن يرد السياق على النحو التالي:"وكم أرسلنا ... وما أتاهم ... إلا استهزؤا به"؛ لأنه يخبر عن حدث مضى، وذلك بقرينة لفظية، وهي قوله"في الأوّلين"، ولكن التحول إلى الفعل المضارع"يأتيهم"في هذا السياق دل على الكثرة والتكرار، فكثرة مجيء الرسل قوبل بكثرة الاستهزاء، والفعل الدال على ذلك"يستهزؤن"مسبوقًا بـ (كان) "وسبق الفعل المضارع بـ (كان) قد يفيد الدلالة على اعتياد الأمر في الماضي، ووقوعه بصورة متكررة" [1] . قال الرازي [2] :"والمعنى أن عادة الأمم مع الأنبياء الذين يدعونهم إلى الدين الحق هو التكذيب والاستهزاء".

والفرق بين هذا النوع من التحول الدال على الكثرة والتكرار والنوع الآخر الذي يليه الدال على الاستمرار، أن التكرار يتخلله فترات انقطاع، وإن كانت متقاربة في الزمان، في حين أن الاستمرار يقتضي الاتصال.

ومن أمثلة مجيء هذا التحول للدلالة على الاستمرار، قوله تعالى: { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } [البروج، 8] .

لقد تحول السياق القرآني عن الفعل الماضي"نقموا"إلى المضارع"يؤمنوا"وكان يتوقع أن يرد السياق على النحو التالي:"وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالله العزيز الحميد؛ لأنه يخبر عن حدث مضى وانقضى، وهو ما حصل للفئة المؤمنة على أيدي أعدائهم، واللافت للنظر، هو مجيء الفعل المضارع"إلا أن يؤمنوا"وليس"إلا أن آمنوا"، كما هو الحال في قوله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } [المائدة، 59] ."

(1) معاني النحو، 3/319.

(2) تفسير الرازي، 27/619.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت