فهرس الكتاب
فما السر في مجيء الفعل"نقموا"ماضيًا في سياق سورة البروج، والتحول عنه إلى المضارع"يؤمنوا"في السياق نفسه، في حين ورد العكس في سورة المائدة إذ جاء الفعل"تنقمون"مضارعًا وتحول عنه إلى الماضي"آمنا"؟!
والذي يظهر -والله أعلم- أن السياق هو الذي يفرض التعبير المقصود للمعنى المسوق له، فيكون كل سياق قد اختص بتركيب قصد إليه لمعنى، وهو من البلاغة بمكان؛ لأنه يقتضي موافقة الكلام لمقتضى الحال.
إن مجيء الفعل"نقموا"ماضيًا في سياق الآية السابقة من سورة البروج يشير إلى أن هذه النقمة مضت وانتهت بهلاك الذين فُتِنُوا من المؤمنين، فليس فيها تجدد واستمرار، ودل التحول إلى صيغة المضارع"إلا أن يؤمنوا"على أن أعداءهم نقموا منهم استمرارهم على الإيمان وثباتهم عليه [1] . في حين دل سياق الآية من سورة المائدة على أن نقمة أهل الكتاب متجددة مستمرة ضد المسلمين لا تنقطع عنهم بحال، بدلالة الفعل المضارع"تنقمون"، ودل التحول إلى الفعل الماضي"آمنا"أن إيمان المسلمين حاصل متحقق، فهو في حكم الماضي في تحققه وحصوله، فلا مطمع لأعدائهم في ارتدادهم عنه. ويبرز الانفتاح الدلالي للنص القرآني في هذا السياق، ليضيف دلالة أخرى للفعل الماضي مفادها أن إيمان المسلمين ليس حادثًا، وإنما هو امتداد لقافلة الإيمان التي مضت في تاريخ البشرية.
وما سبق ذكره من الآيات القرآنية هي نماذج للنوع الأول الذي يستعمل فيه المضارع للدلالة على حدث مضى وانقضى.
وأما النوع الثاني: فيرد فيه المضارع للدلالة على حدث يقع في الحال والاستقبال.
(1) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، 6/477.