الصفحة 20 من 54

ويقرر البلاغيون أن مجيء المضارع للدلالة على الحال والاستقبال يفيد التجدد والحدوث، وأن هذا الحدث مستمر الوجود ولم يمض، يقول ابن الأثير [1] :"وعطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين: أحدهما بلاغي، وهو إخبار عن ماضٍ بمستقبل، والآخر غير بلاغي: وليس إخبارًا بمستقبل عن ماضٍ، وإنما هو مستقبل دلّ على معنى مستقبل غير ماضٍ، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمضِ".

ويُفهم من كلام ابن الأثير أن هذا النوع من التحول ليس ضربًا من ضروب البلاغة، وما ذهب إليه ليس صحيحًا، إذ البلاغة هي موافقة المقال لمقتضى الحال، وقد جاء هذا التحول ليوافق مقتضى الحال الذي سيق من أجله كما سنوضحه لاحقًا في هذا البحث، وقد استعمل في النصوص الأدبية الراقية لا سيما القرآن الكريم، ولا يكون ذلك إلا لمنحى بلاغي، إذ لا يقع ما ليس بليغًا في كلام الله عزوجل، وقد اعترض محمد أبو موسى على ابن الأثير لإخراجه هذا النوع من التحول من البلاغة فقال [2] :"ولست أدري لماذا كان هذا القسم غير بلاغي؟ أليست البلاغة نظرًا فيما تنطوي عليه خصائص الألفاظ وأحوالها لإبراز معانيها وبيان لطائفها ومطابقتها لبيان الكلام؟ وأليس هذا داخلًا في أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال؟"

بل إن ابن الأثير نفسه عند تحليله لنماذج قرآنية من هذا النمط، أشار إلى وجه البلاغة والبيان فيها، مما يوحي بالتضارب لديه [3] .

ويشير هذا النوع من التحول في السياق القرآني إلى دلالات عديدة منها:

-الدلالة على التجدد والاستمرار للحدث.

-الدلالة على إطالة مشهد الحدث.

-التركيز على نتيجة الحدث.

فمن السياقات التي يدل هذا التحول فيها على التجدد والاستمرار قوله تعالى:

(1) المثل السائر، 2/194.

(2) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، 547.

(3) انظر: المثل السائر، 2/197-198.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت