فهرس الكتاب
ودفع إلى الشماخ قارورة فيها غالية مسمومة فانطلق مع صاحبه يخوضان الصحارى والقفار والفيافي المترامية الأطراف حتى وصلا إلى الشريف إدريس بن عبد الله، وكان إدريس ذا معرفة تامة بسليمان الشماخ ورئاسته في الزيدية وموالته لآل البيت، فلما جلس بين يدي الشريف قال له: إنما جئتك وحملت نفسي على ما حملتها عليه لمذهبي الذي تعرفني به، وإن السلطان طلبني لمحبتي في الخروج معكم اهل البيت فجئتكم لآمن في ناحيتكم وانصرك بنفسى، فسر الشريف لقوله وقبله بصدر رحب وأحسن مثواه وأكرم نزله وآنس به حتى لا يكاد يقطع بأمر دون استشارته، وفتح له مجالس البربر وأخذ يظهر الدعاء إلى ولد رسول - صلى الله عليه وسلم - ويشن حملات شعواء على بني العباس وبني أمية لاستئثارهم بالولاية دون آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحاولة بعضهم إبادة آل البيت حتى لا يبقى منهم من يفكر في الولاية في المستقبل، ويظهر أنه يحتج لوجوب الولاية لآل البيت كاحتجاجه لذلك في العراق فأعجب ذلك إدريس منه، فمكث عنده مدة يطلب غرته ويرصد الفرصة في أمره ويرمق باب الحيلة عليه حتى غاب راشد مولاه غيبة طفيفة في بعض أموره واستثمر سليمان الشماخ ذلك فدخل على الشريف ومعه القارورة فلما انبسط إليه وخلا وجهه وانشرحت له مكنونات نفسه قال له الشماخ: جعلني الله فداك في هذه القارورة غالية حملتها معي وليس ببلدك من الطيب ما يتخذ هذا منه فجئتك بها لتطيب بما فيها، ووضعها بين يديه ففتحها الشريف إدريس وتغلف منها وشمها، وظن الشماخ أنه نفذ همته وربح بجائزته وانصرف إلى صاحبه، وقد أعد فرسين قبل ذلك مضمرين فركباهما وخرجا مركضين يطلبان النجاة، فلما وصل السم إلى دماغ إدريس وكان في خياشيمه سقط مغشيًا عليه لا يعقل ولا يدري من يختص به ما شأنه فبعثوا إلى راشد فجاء مسرعًا فتشاغل بمعالجته والتخبر في أمره وقد قطع الشماخ وصاحبه على فرسيهما بلادًا شاسعة في تلك المدة، وأمضى الشريف