إن التفقه في أسماء الله وصفاته يحث بشدة على التخلق بمقتضى بعض صفات الله وأسمائه وبموجبها ، وعلى العبد أن يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به ؛ لأنه من المعلوم عند أرباب العقول أن المحب يحب أن يتصف بصفات محبوبه ؛ كما أن المحبوب يحب أن يتحلَّى مُحِبُّهُ بصفاته ؛ فهذا يدعو العبد المحب لأن يتصف بصفات محبوبه ومعبوده كلٌّ على ما يليق به , وذلك بالنظر إلى الصفات التي يحسن من المخلوق أن يتصف بمقتضاها ، بخلاف الصفات المختصة بالله كالخلاق والرزاق والإله والمتكبر ونحو ذلك ، فإن هذه صفات لا يمكن أن يتصف به المخلوق ، ولا يجوز أن يدعيها بحال ، وهكذا ما أشبه هذه الأسماء والصفات ، وإنما المقصود الصفات التي يحب الله من عباده أن يتصفوا بمقتضاها ، كالعلم والقوة في الحق ، والرحمة والحلم والكرم والجود والعفو وأشباه ذلك ، فهو سبحانه عليم يحب العلماء ، قوي يحب المؤمن القوي ، أكثر من حبه للمؤمن الضعيف ، كريم يحب الكرماء ، رحيم يحب الرحماء عفو يحب العفو ، إلخ ، لكن الذي لله سبحانه من هذه الصفات وغيرها أكمل وأعظم من التي للمخلوق ، بل لا مقارنة بينهما ؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء في أسمائه وصفاته وأفعاله ، كما أنه لا مثيل له في ذاته ، وإنما حسب المخلوق أن يكون له نصيب من معاني هذه الصفات ، بحسب ما يليق به ويناسبه على الحد الشرعي ، فلو تجاوز في الكرم الحد صار مسرفا ، ولو تجاوز في الرحمة الحد عطل الحدود والتعزيرات الشرعية ، وهكذا لو زاد في العفو على الحد الشرعي وضعه في غير موضعه ، وهذه الأمثلة تدل على سواها...