الصفحة 15 من 55

ثالثًا: ضرورة التفريق في هذا السياق أيضًا بين مسألتين: فلسفة البلاغة، والبلاغة المُفلسفة، فالبلاغة المفلسفة يُقصد بها البلاغة التي امتزجت بالأفكار والتصوّرات والمصطلحات الفلسفية، فهي بلاغة تختلط بالفلسفة حتى صارت كأنها جزءٌ منها، وأمّا فلسفة البلاغة فالمقصود منها تعليل القواعد البلاغية، والبحث عن أسرارها وأهدافها وغاياتها، وما فيها من قيم جمالية وفكرية، مثلما يقال في علوم أخرى فلسفة التربية، وفلسفة الأديان، وغير ذلك [1] .

ففلسفة البلاغة بمفهومها الحديث تعني دراسة القواعد البلاغية وتعليلها علميًا ومنطقيًا، وهي بمثابة علم الأصول الذي يبحث في قواعد الأدلة الشرعية العامة، وهذه هي الفلسفة التي قد بدأها عبد القاهر حين استفاد من المعطيات العلمية والنقدية التي كانت قبله، وحاول وضع القواعد التي تفسّر وتكشف عن أسرار الجمال في الكلام البليغ عامّة، وفي القرآن الكريم على وجه الخصوص، ثمّ استمرت الدراسات من بعده في هذا الاتجاه نفسه، إلى أن انحرف بعضها عن مجالها الذي حدّده عبد القاهر وهو دراسة النصوص الأدبية.

(1) . عباس، فضل حسن، البلاغة المفترى عليها بين الأصالة والتبعية، ط 1 دار النور بيروت 1989م، ص 299.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت