الصفحة 16 من 55

لقد أشارت دراسات كثيرة إلى أنّ من أسباب التعقيد الذي دخل إلى موضوعات البلاغة تأثر البلاغيين وفي مقدمتهم عبد القاهر الجرجاني بالفلسفة اليونانية [1] ، وقد كان من نتيجة ذلك أن تسرّب كثيرٌ من المسائل الفلسفية المعروفة عند فيلسوف اليونان أرسطو إلى البلاغة العربية، وفضلًا على ذلك كلّه كان لدخول علوم أخرى ساحة البلاغة مثل النحو وعلم الأصول والإعجاز- وهي علوم تأثرت أيضًا بالفلسفة وعلم الكلام - إسهامٌ ما في ذلك التعقيد الذي شمل المنهج والموضوعات على حدٍ سواء، ويظهر ذلك من جهة كثرة التعليلات، والإسهاب في التقسيمات، والوعورة في المصطلحات، والجفاف في الأسلوب، كما أنّها أسهمت إلى حدّ ما في إبعاد علم البلاغة عن موطنه الأصلي الأدب، فقد كان القرآن الكريم، والحديث الشريف، وكلام العرب المنظوم والمنثور هو مادة البلاغة وجوهرها في بداية نشأتها الأولى، حتى وصلت إلى مرحلة النضوج والاستواء في عهد عبد القاهر الجرجاني.

ومع أنّ الدارسين المحدثين قد بحثوا هذه المسألة بحثًا مستفيضًا، وقدّموا أحكامًا جاوز بعضها حدود الإنصاف، إلاّ أنّ تباين الآراء بشأنها يجعل من البحث في تلك الأدلة والآراء أمرًا مهمًا في سياق البحث في قضية تيسير البلاغة في تراثنا القديم، وبدايةً يمكن القول بأنّه قد لا تكون هناك أيّ فائدة ترجى في الحكم على البلاغة القديمة بالجمود والعقم بسبب تأثرها بالفلسفة سوى الإلغاء والإقصاء لجهود كبيرة قدّمها الأعلامُ من قدامى البلاغيين في سبيل خدمة هذا العلم وتطويره.

(1) .كان طه حسين أول من قرّر هذا الرأي في مقدمته لكتاب نقد النثر المنسوب خطأ لقدامة بن جعفر، وهو لابن وهب الكاتب، وطبع هذا البحث بعنوان (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) ، ط المكتبة العلمية بيروت (د.ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت