لقد كان تأثير الفلسفة وعلم الكلام في علم البلاغة أمرًا بيّنًا تسنده أدلة من كتابات العلماء وأقوالهم، ويكفي أن نشير هنا مثلًا إلى ما صنعه حازم القرطاجنّي في كتابه منهاج البلغاء [1] ، حين سعى إلى تطبيق نظريات أرسطو النقدية والبلاغية في محاولة فهم الشعر العربي وتقويمه جماليًا. ولكنّ هذا الصنيع على ما فيه من خصوصية وجرأة، لا يمكن تعميمه على البلاغيين الآخرين، ومع ذلك كلّه فهو لا يسلب القرطاجنّي أصالة الإبداع الفكري، وقد أثبتت بعض الدراسات الحديثة أنّ أعمال أفلاطون وأرسطو كان لها تأثير كبير في فكر الكثير من دارسي البلاغة، وهو أمر ظاهر في كتابات البلاغيين الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية [2] .
إنّ الابتعاد عن مجال البلاغة وجوهرها، والخروج عن إطارها باعتماد موضوعات فلسفية ومنطقية مجرّدة، واستخدام أساليب المناطقة والمتكلّمين في كتابات البلاغيين المتأخرين، هو أمرٌ أسهم في شيءٍ من التعقيد الذي لحق بالبلاغة، ولكنّه أمرٌ كان له ما يسوّغه في البلاغة القديمة، وخاصّة إذا علمنا أنّ هؤلاء البلاغيين كانوا في غالبيتهم من الفقهاء والأصوليين والمتكلّمين، ولم يكونوا من الأدباء أو الشعراء المعروفين في فنون النظم والكتابة الأدبية.
لقد اتخذت آراء الدارسين بشأن هذه القضية اتجاهين مختلفين: الاتجاه الأول منهما يرى أنّ تأثير الفلسفة في البلاغة كان كبيرًا، والاتجاه الثاني يرى أنّ ذلك التأثير كان محدودًا، وربما معدومًا عند عبد القاهر مؤسّس علم البلاغة، وسنعرض الآن لبعضٍ من تلك الآراء والأفكار في سياقٍ قد يساعدنا في استجلاء مسألة التعقيد وأسبابها في البلاغة القديمة.
(1) .كتاب منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة ، ط دار الكتب الشرقية، تونس (د.ت) .